{يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع} وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم. {والزيتون والنخيل والاعناب وَمِن كُلّ الثمرات} وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار ، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانياً هو أشرف الأغذية ، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} على وجود الصانع وحكمته ، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها ، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة ، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها. ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل ، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم} بأن هيأها لمنافعكم. {مسخرات بِأَمْرِهِ} حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء ، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه ، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها ، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضاً ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجود المحتملة ، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعاً للدور والتسلسل ، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع.
وقرأ حفص {والنجوم مسخرات} على الابتداء والخبر فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر {الشمس والقمر} أيضاً. {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} جمع الآية ، وذكر العقل لأنها تدل أنواعاً من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات.