19 -وبعد أن أبطل عبادة الأصنام، من قبل أنها لا قدرة لها على الخلق والإنعام، أبطل عبادتها بوجه آخر، وهو أن الإله يجب أن يكون عليمًا بالسرِّ والعلانية، وهذه الأصنام جماد لا معرفة لها بشيء، فكيف تجمل عبادتها، وإلى ذلك أشار بقوله: {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} ؛ أي: ما تضمرون في قلوبكم من العقائد والأعمال، {وَمَا تُعْلِنُونَ} ؛ أي: وما تظهرونه منهما؛ أي: يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، أو المعنى: والله يعلم ما تسرون يا كفار مكة من المكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما تعلنون؛ أي: تظهرونه من أذاه.
والمعنى: أي والله سبحانه وتعالى يعلم ما تسرونه في ضمائركم وتخفونه عن غيركم، وما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، فيجازيكم به يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء منكم بإساءته، وهو سائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على النعم التي أنعمها عليكم فيها، ما أحصيتم منها وما لم تحصوا.
20 -ثم وصف سبحانه هذه الأصنام بصفات تجعلها بمعزل عن استحقاق العبادة، تنبيهًا إلى كمال حماقة المشركين، وأنهم لا يفهمون ذلك إلا بالتصريح دون التلويح فقال: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ} ؛ أي: والأوثان التي تعبدونها، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله، فإن معنى {دُونِ} أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل من تجاوز حدًّا إلى حدٍّ، وتخطى حكمًا إلى حكم، والموصول مبتدأ خبره {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا} من الأشياء أصلًا؛ أي: ليس من شأنهم ذلك؛ لأنهم عجزة {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ؛ أي: شأنهم ومقتضى ذاتهم المخلوقية، لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهيتها ووجدانها إلى الموجد، قال في"القاموس": الخالق هو المتفرد في صفاته المبدع للشيء، المخترع على غير مثال سبق،