وارتقى رجل إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، فذهب يدخل فإذا هو به يلتقط الحب، فاستحى منه فرجع.
فإن قيل: ما معنى قول الله عز وجل: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} .
والذي سبق إلى القلوب أن العلم بأن الرب مالك الأرزاق وهو الباسط المقدر بتعب العبد على التوسع في الإنفاق لا على الاقتصاد، بأن الاقتصاد خوف على المال.
فإذا لم يكن تدبير الرزق على العبد، بل كان إلى ربه لم يعنه الاقتصاد.
فكان التوسع الذي هو أطيب لقلبه وأنعم لعيشه أولى به.
فالجواب: إن معنى ذلك أن ربك ليس يبسط الرزق لكل أحد، ولا يقدره على كل أحد.
ولكنه قد يبسط وقد يقدر، فلا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تنفق شيئاً خيفة الإعسار.
فإن ربك قد يبسط الرزق ما نفق، وأمسك أن يبسط رزقك، ثم قال: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} .
فتنفق ما تحتاج إليه فيما لا يحتاج إليه، فإن ربك قد يقدر الرزق فلا تأمن إن استهلكت المال أن تكون ممن يقدر عليك.
وفي هذا ما يبعث على الاقتصاد، ومنع من التقتير الذي دونه الإسراف الذي فوقه والله أعلم.
فإن قيل: ولم كان الاقتصاد في النفقات من الإيمان؟ وهذا من باب تدبير المال!
قيل: لأن الإسراف إذا كان ممنوعاً كان نزله مما يتقرب به إلى الله عز وجل: والقرب كله إيمان.
ولأن الاقتصاد يؤدي إلى معرفة حق المال الذي هو من أصل نعم الله تعالى.
والإسراف جهل بقدر نعمة.
ولأن المقتصد يجمع بين قضاء حاجته ومن حفظ ماله حتى إذا احتاج إلى مواساة غيره، قدر على مواساته.
وإن وقع نفير قدر على الجهاد والإعانة عليه، وأي شيء عرض مما يكون الإنفاق فيه براً كان منه بما عنده متمكناً، كان ذلك من باب الاستعداد للبر والتقوى، فذلك في نفسه بره، فلهذا كان من الإيمان والله أعلم.
والاقتصاد في كل أمر أفضل وأجمل من البغي فيه حتى في الحب والبغض، فإنه يروى عن علي رضي الله عنه، وقد رفعه بعض الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - .
أحبب حبيبك هوناً ما
عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وابغض بغيضك هوناً ما
عسى أن يكون حبيبك يوماً ما. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...