ويرى السكاكي أن من الغلو أصنافا مقبولة، منها ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة نحو لفظة «يكاد» التي تفيد عدم التصريح بوقوع المحال، نحو قوله تعالى: (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) فإن إضاءة الزيت كإضاءة المصباح من غير أن تمسه النار محال عقلا. ولكن إدخال «يكاد» هنا أفاد أن المحال لم يقع ولكن قرب من الوقوع مبالغة.
ومن الغلو المقبول عنده أيضا ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، كقول المتنبي يمدح ابن عمار:
أقبلت تبسم والجياد عوابس…يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليه عثيرا…لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا
فالمتنبي في البيت الثاني هنا ادّعى تراكم الغبار الكثيف المرتفع من سنابك الخيل فوق رؤوسها، بحيث صار أيضا يمكن سيرها عليها. وهذا ممتنع عقلا وعادة، لكنه تخيّل حسن.
ولهذا يجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة.
ومن أمثلة الغلو المقبول أيضا قول المعري:
تكاد قسيّه من غير رام…تمكن من قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل…تجد إلى رقابهم انسلالا
فالقسي التي تسدد نبالها إلى القلوب من غير رام، والسيوف التي تنسل إلى الرقاب فتعمل فيها من غير أن تسلّ من أغمادها أمران مستحيلان عقلا وعادة، ولكن الذي حسّن هذا الغلو وجعله مقبولا هو دخول لفظة «تكاد» التي صيرت ما بعدها قريب الوقوع لا واقعا فعلا كما كان الشأن قبل تدخلها.