فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 185

بلاغة المطابقة:

وبلاغة المطابقة لا يكفي فيها الإتيان بمجرد لفظين متضادين أو متقابلين معنى، كقول الشاعر:

ولقد نزلت من الملوك بماجد…فقر الرجال إليه مفتاح الغنى

فمثل هذه المطابقة لا طائل من ورائها لأن مطابقة الضد بالضد على هذا النحو أمر سهل. وإنما جمال المطابقة في

مثل هذه الحالة أن ترشح بنوع من أنواع البديع يشاركها في البهجة والرونق، كقوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) . ففي العطف بقوله تعالى: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال

العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده. وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الله. فهنا اجتمعت المطابقة الحقيقية ومبالغة التكميل.

ومثله قول امرئ القيس:

مكر مفر مقبل مدبر معا…كجلمود صخر حطه السيل من عل

فالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال «معا» زادها تكميلا، فإن المراد بها قرب الحركة وسرعتها في حالتي الإقبال والإدبار، وحالة الكر والفر. فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الوقع الحسن في النفس.

ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد البديعي، وبهذا اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت