فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 185

ومن الاعتبارات التي يلحظها المتكلم وتدعوه إلى الخروج بالكلام عن مقتضى الظاهر ما يلي:

1 -أن ينزّل خالي الذهن منزلة المتردد الشاكّ إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر ومضمونه. ومن هذا الضرب من الكلام قوله تعالى: (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) .

فالمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أن المخاطب بها خالي الذهن من الحكم أو من مضمون قوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، ولكن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، وهي في مضمونها تشير إلى أن النفس محكوم عليها بشيء غير محبوب أو مرغوب فيه، أصبح المخاطب بقوله تعالى:(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) متطلعا إلى نوع هذا الحكم، الذي يجهله ولا يدري حقيقته، ومن أجل ذلك نزّل هذا المخاطب منزلة المتردد الشاكّ، وألقي إليه الخبر مؤكدا استحسانا.

ومن أمثلة هذا النوع من التنزيل قوله تعالى: (ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقوله تعالى أيضا: (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) .

ومن أمثلته في الشعر قول عنترة:

لله درّ بني عبس لقد نسلوا…من الأكارم ما قد تنسل العرب

وقول أبي الطيب المتنبي:

ترفق أيها المولى عليهم…فإن الرفق بالجاني عتاب

2 -أن يجعل غير المنكر كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه. ومثال ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ) ؛ فالمخاطبون بهذه الآية الكريمة لا ينكرون حقيقة الموت بالنسبة للإنسان، وأنه مهما طال أجله فإن مصيره إلى الموت والفناء، وعلى ما يقتضيه الظاهر كان يجب أن يلقى الكلام إليها خاليا من التأكيد، ولكننا مع ذلك نرى أن الكلام قد خرج عن مقتضى الظاهر وألقي إليهم مؤكدا. فما السبب في ذلك؟.

السبب ظهور أمارات الإنكار عليهم، فإن نسيانهم للموت وتكالبهم على مطالب العيش كأنهم مخلدون أبدا، وعدم بذلهم في الحياة الدنيا ما ينفعهم في الآخرة، كل هذه بوادر منهم تدل على إنكارهم لحقيقة الموت، ومن أجل ذلك نزّلوا منزلة المنكرين، وألقي الخبر إليهم مؤكدا بمؤكدين هما «إن» و «لام الابتداء» .

ومثال ذلك أيضا قولك لمن يعقّ والديه ولا يطيعهما: «إن برّ الوالدين لواجب» ، فالمخاطب بهذا الكلام لا ينكر أن برّ الوالدين واجب ولا يداخله شك في ذلك. وكان مقتضى الظاهر أن يلقى إليه الخبر غير مؤكد، ولكن عقوقه

لوالديه، وغلظته في معاملتهما، وعدم إطاعتهما، كل ذلك اعتبر من علامات الإنكار، ولذلك نزّل منزلة الجاحد المنكر وألقي الخبر إليه مؤكدا بمؤكدين وجوبا، خروجا عن مقتضى الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت