فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 238

(ماهية المحبة وأنواعها)

المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا، وذلك ضربان:

أحدهما: طبيعي: وذلك في الإنسان وفي الحيوان، وقيل: قد يكون ذلك في الجمادات كالألف بين الحديد وحجر الغناطيس.

والثاني: اختياري: وذلك يختص به الإنسان، وأما ما يكون بين الحيوانين فألفة، وهذا الثاني أربعة أضرب:

الأول: للشهوة، وأكثر ما يكون بين الأحداث.

والثاني: للمنفعة، ومن جنسه ما يكون بين التجار وأصحاب الصناعة الهنية

وأصحاب المذاهب.

والثالث: مركب من الضربين، كمن يحب غيره لنفع، وذلك الغير يحبه للشهوة.

والرابع: للفضيلة، كمحبة المتعلم للعالم، وهذه المحبة باقية على مرور الأوقات، وهي المستثناة باتوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(67) .

وأما الضروب الأُخر: فقد تطول مدتها وتقصر بحسب طول أسبابها وقصرها.

والصداقة: أخص من المحبة وقلما تقع بين جماعة ولا تستعمل إلا في الحيوان.

وأما العشق: فمحبة بإفراط، وذلك إما بحسب اللذة فيكون مذمومًا، وإما بحسب

الفضيلة فيكون محمودًا، ولا يكون للنفع، فإن النفع يراد لغيره، والفضيلة واللذة يرادان لأنفسهما.

(فضيلة المحبة)

أحد أسباب نظام أمور الناس المحبة، ثم العدل، ولو تحاب الناس وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل: العدل خليفة المحبة يستعمل حيث لا توجد المحبة، ولذلك عظم الله تعالى المنة بإيقاع المحبة بين أهل الملة فقال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96)

أي: محبة في القلوب تنبيهًا أن ذلك أجلب للعقائد وهو أفضل من المهابة، فإن المهابة تنفر والمحبة تؤلف، وقد قيل: طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة، فإن طاعة المحبة من داخل، وطاعة الرهبة من خارج، وهي تزول بزوال سببها، وكل قوم إذا تحابوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا عمروا، وإذا عمروا عمروا.

ولفضل وقوع المحبة شرعًا شرع الله تعالى اجتماع أهل الملة الواحدة في مساجدهم كل يوم خمس مرات لإقامة صلاتهم، واجتماع أهل البلد الواحد كل أسبوع مرة في الجامع، واجتماع أهل المدينة وأهل السواد كل سنة مرتين في الجبانة، واجتماع أهل البلدان النائية في العمر مرة بمكة، كل ذلك ليتأكد باجتماعهم الأنس، وليقع بسبب ذلك الود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت