(ذكر المال والأدب في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل)
قد تقدم أن المال من الخيرات المتوسطة، لأنه كما قد يكون سببًا للخير فقد يكون سببًا للشر، لكن لما كان في أكثر الأحوال موجبًا كرامة أصحابه وتعطم أربابه حتى صدق قول الشاعر فيما قال:
الناس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر
قيل: رأيت ذا المال مهيبًا مكرمًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"نعم المال الصالح للرجل الصالح"
واستُصوب قول طلحة - رضي الله عنه - في دعائه: اللهم ارزقني مجدًا ومالًا فإنه لا يصلح المجدُ إلَّا بالمال، ولا يصلح المالُ إلا بمراعاة المجد، ونظر المتنبى هذا النظر حيث قال:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقال بعض الحكماء: اطلب العلم والمال تحوي الرئاسة، فالناس خاص وعام
فالخاص يفضلك بما تحسن، والعام بما تملك.
واكتسابه من الوجوه التي ينبغي صعب، وتفريقه سهل، كما قال الشاعر:
له مصعد صعب ومنحدر سهل
ومن رام اكتسابه من وجهه صعب عليه، فالمكاسب الجليلة قليلة عند الحر العادل.
ومن رضي بكسبه من حيث ما اتفق فقد يسهل عليه.
والفاضل ينقبض عن اقتناء المال، ويسترسل في إنفاقه، ولا يريده لذاته، بل
لاكتساب المحمدة به، ولا يجتمع عنده المال مدخرًا، لكن كما قال الشاعر (النضر بن جؤية) :
لا يألف الدرهم الضروب صُرَّتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
إنا إذا أجتمعت يومًا دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق
وغير الفاضل يسترسل في اقتنائه، ويقبض في إنفاقه، ويطلبه لذاته لا لادخار
الفضيلة به. والمال يحصل من وجهين:
أحدهما: بسبب منسوب إلى الجد المحض والبخت الصرف، من غير اكتساب من صاحبه، كمن ورث مالًا، أو وجد كنزًا، أو قيض له من أولاه شيئًا.
والثاني: أن يكتسب الإنسان، كمن يشتغل بتجارة أو صناعة فيدخر منها مالًا.
وهذا الضرب لا يستغنى فيه عن الجد، ولهذا قيل:
وعليَّ أن أسعى وليس ... عليَّ إدراك النجاح
فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الأخروية التي حظ الكد فيها أكثر، وقد نبَّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)
فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطى له، ولم يشترط السعي، واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان، ولما يشترط إرادته تعالى ومشيئته وإن كان ذلك لا يتعرى منهما.
فحق العاقل أن يعني بما إذا طلبه ناله، وإذا ناله لم يخف زواله، ويقلل المبالاة بما إذ قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه.
وقد قال بعض الحكماء: إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء (1) في حجرها
(1) ورهاء: كثيرة الشحم.