فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 238

(كون طهارة النفس شرطًا في صحة خلافة الله تعالى وكمال عبادته)

لا يصلح لخلافة اللَّه تعالى ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر

النفس قد أزيل رجسه ونجسه، فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة، وإياها قصد - عز وجل - بقوله:

(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)

وبقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)

وبقوله: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(125) .

وإنما لم يصلح لخلافة اللَّه تعالى إلا من كان طاهر النفس، لأن الخلافة هي الاقتداء به على قدر طاقة البشر في تحري الأفعال الإلهية)، ومن لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر القول والفعل؛ فكل إناء بالذي فيه ينضح، (ولن يخلو مسك سوء عن عرف سوء) ، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله، ومن خبثت نفسه خبث عمله، وقال - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن أطيب من عمله والكافر أخبث من عمله"بل قد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)

وبقوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا)

ولأجل أنه لا يطيب عمل من خبثت نفسه قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)

وقال بعضهم في قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب": إنه أشار بالبيت إلى القلب وأشار بالكلب إلى الحرص والحسد ونحوهما، ونبَّه أن نور اللَّه تعالى لا يدخله إذا كان فيه ذلك، واستدل لذلك بأن الحرص يقال له: الكلب، فإنه يقال:

فلان أحرص من الكلب.

ويقوي ذلك ما روي: أن التقوى لا تسكن إلا قلبا نظيفًا. وإلى الطهارتين أشار بقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)

وكنى بالثياب عن البدن، قال الشاعر:

ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران

وقال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33)

وقال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)

وقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222) .

وقد قال بعض العلماء: إنما سمي الحواريون بذلك؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بلإفادتهم الدين والعلم.

من قولهم: حورته، أي بيضته، وما روي أنهم كانوا قصارين فإشارة إلى هذا

المعنى، وإن كان من لم يتخصص بمعرفة الحقائق تصور من هذا التفسير المهنة المعروفة بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت