(كون الإنسان بين البهيمة والملك)
الإنسان لما ركب تركيبًا بين بهيمة وملك - فشبه بالبهيمة بما فيه من الشهوات البدنية، من المآكل والمشارب والمناكح، شبهه بالملك بما فيه من القوى الروحانية من الحكمة والعدالة والجود - صار واسطة بين جوهرين: وضيع ورفيع؛ ولهذا قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10) ،
فالنجدان من وجه العقل والهوى، ومن وجه الآخرة والدنيا، ومن وجه الإيمان والكفر، ومن وجه الهدى والضلال، ومن وجه موالاة اللَّه تعالى وموالاة الشيطان المذكورتان في قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) .
ومن وجه النور والظلمة المذكورتان في هذه الآية، أي الفضيلة والنقيصة، أو من وجه الحياة والموت المذكوران في قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ،
فمن وفقه اللَّه للهدى، وأعطاه قوى لبلوغ المدى فراعى نفسه وزكاها، فقد أفلح، ومن حرم التوفيق فأهمل نفسه ودسَّاها فقد خاب وخسر، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)