(مدح السعي وذم الكسل)
من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى، وذلك أنه إنما خص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها، فإن فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدات التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه، فحقه أن يتأمل قوته، ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة.
وأن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة فحب الهوينا يكسب النصب، وقد قيل: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلَّا تتعب، وقيل: إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقًّا، وإن ضجرت لم تصبر على الحق. قال الشاعر:
إن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين أنكحها مهرا
فراشًا وطيئًا ثم قال لها اتكي ... فقصرا كما لاشك أن تلدا الفقرا
وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أن كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز، ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل، كالعين إذا غمضت، واليد إذا عطلت؛ ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء. ولما جعل اللَّه تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقًا إلَّا بسعي ما منه؛ لئلَّا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك.
ولما جعل للإنسان قوة الفكرة ترك من كل نعمة أنعمها تعالى عليه جانبًا يصلحه هو بفكرته، لئلا تبطل فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثًا.
وتأمل حال مريم - عليها السلام - وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤونة الطلب، وفيه أعظم معجزة، فإنه لم يخلها من أن يأمرها بهزها، فقال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) .
وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك النظر والتفكر تتبلد وتتبله، وترجع إلى رتبة البهائم.
فحق الإنسان ألا يذهب عامة أوقاته إلَّا في إصلاح أمر دينه ودنياه، ومتوصلًا به إلى إصلاح أمر آخرته، ومراعيًا لها، قال الحجاج: إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه، أو يستغفر من ذنبه، أو يفكر في معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة.
وإذا تأملت قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"سافروا تغنموا"، ونظرت إليه نظرًا عاليًا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى، ومصاحبة الملأ الأعلى، بل مجاورة اللَّه تعالى.
وذلك يحتاج إلى أربعة أشياء:
معرفة المقصود المشار إليه بقوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) .
ومعرفة الطريق إليه المشار إليه بقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) .
وتحصيل الزاد البلغ المشار إليه بقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .
والمجاهدة في الوصول إليه كما قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) .
فبهذه الأشياء يأمن الغرور الذي خوفه اللَّه منه فىِ قوله تعالى: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(33)
وهدذه من المعاني التي دونها هول العوالي، ولا ضير لمن رامها
أن يتذرع بالصبر، فقد أصاب من قال:
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا