فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 238

(كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال)

إباحة تعاطي الجدال للعامة الذين لم يتدربوا في تحصيل القوانين، ولم يتهذبوا في سبيل البراهين يجري مجرى حل قيد الشياطين ورفع سد يأجوج ومأجوج فإنه يثير سلطان قوتهم السبعية منخلعة من يد قائد العقل وقيد الشرع، فالجدال مكروه للعلماء الألباء فكيف للجهال الأغبياء؟! ألا ترى أنه تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن هنا مع وصفه - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)

وقال تعالى في ذم الجدال: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)

وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)

وقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) .

وللجدال مع كونه مكروهًا شرائط وقوانين فمن تعطَّاه ولم يكن متدربًا فيها كان خصيمًا جدلًا، والخصومة عديمة الفائدة قليلة العائدة فإن الجدال مع ما فيه قد يوقظ الفهم ويثير الأنفة لاقتباس العلم، والخصومة لا تثمر إلا العداوة وإنكار الحق؛ فلهذا جعلها اللَّه تعالى شرًّا من الجدال فقال تعالى: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(58)

وقال: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77)

أي: جيد الخصومة مبين، ولم يذكر الخصام في موضع إلا عابه، وأيضًا فالمتجادلان يجريان مجرى فحلين تعاديا، وكبشين تناطحا، ورئيسين تحاربا، وكل واحد منهما يجتهد أن يكون هو الفاعل (وصاحبه هو المنفعل، وأن يكون هو الطابع) وصاحبه المنطبع، والقائل كالمؤثر، والسامع

كالمتأثر، (ومتى لم يخضع المتأثر لقبول أثر المؤثر) لم يتولد منهما خير بوجه، وقال حكيم: المجادل المدافع يجعل في نفسه عند الخوض في الجدال أن لا يقنع بشيء، ومن لا يقنعه إلا أن لا يقنع فما إلى إقناعه سبيل، ولو اتفق عليه الحكماء بكل بينة، بل لو اجتمع عليه الأنبياء بكل معجزة، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت