(في ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى)
أول ما يعرض من ذلك السانح ثم الخاطر، وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق"، ثم قرأ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)
ثم من بعدهما الإرادة ثم العزم ثم العمل.
فالسانح علة الخاطر، والخاطر علة الإرادة، والإرادة - وهي الهمة - علة العزم، والسانح والخاطر يعبر عنهما بالهاجس والواجس ويتجافى عنهما ما لم يصيرا إرادة وعزمًا.
فحق الإنسان إذا خطر له خاطر أن يسبره عاجلًا، فإن وجده خيرًا رباه حتى يجعله فعلًا، وإن وجده شرًّا بادر إلى قلعه وقمعه قبل أن يصير إرادة، ويطهر قلبه منه تطهير أرضه من خبيثات النبات، وهذا المعنى أراد الحسن - رحمه الله - بقوله: رحم اللَّه عبدًا وقف عند همه، فإن كان للَّه أمضى وإلا كف.
قال بعض الحكماء: إن تداركت الخطرة اضمحلت وإلا صارت شهوة، وإن تداركت الشهوة تلاشت وإلا صارت طلبًا، وإن تداركت الطلب تلاشى وإلا صار عملًا.
وقال بعض الحكماء: إن ولي اللَّه سبحانه إذا أتته لمة الشيطان انزعج لذلك، ورأى ببصيرته ظلمة، ووجد روعة، فإذا أتته لمة الملك انشرح صدره، وأولياء الشيطان بخلافه. قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45) .
والله ولي الرشاد.