فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 238

(العداوة)

العدو: هو الذي يتحرى اغتيال الآخر ويضاده فيما يؤدي إلى مصالحه، ومنه قولهم: تعدى فلان على فلان، أي: فعل به فعل العدو وهو من قولهم: مكان ذو عدو، أي: متنافي الأجزاء ناب بمن حله، ويضاد العداوة الولاية واشتقاقه من وليه يليه، والولاء أعم من الصداقة والمودة.

والعداوة ضربان: باطن: لا يدرك بالحس، وظاهر: يدرك بالحس.

والتام العداوة اثنان:

أحدهما: الشيطان: وهو أصل كل عدو يعادي معاداة جوهرية، وقد حذرنا اللَّه تعالى منه غاية التحذير بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)

وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ)

وقال: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ)

وقال: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168) .

والثاني: الهوى المعبر عنه بالنفس في قوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) .

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك".

وكذا الغضب إذا كان فوق ما يجب، ولكون هذه القوة في الإنسان إذا أثيرت طريقًا للشيطان في وصوله إلينا، وكونها كالخليفة له سمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - باسمه فقال:"الهوى شيطان والغضب شيطان"، وقال تعالى حكاية عن موسى: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(15) .

وأما الظاهر من الأعداء فالإنسان، وذلك ضربان:

ضرب: هو عدو مضطغن للعداوة: قاصد إلى الإضرار إما مجاهدة وإما مساترة، وذلك اثنان: واحد يعادي كل أحد، وهو كل إنسان سبعي الطبع، خبيث الطينة، مبغض لكل من لا يحتاج إليه في العاجل، بغيض إلى كل نفس، يهارش كل من لا يخافه، كما قال الشاعر:

يسطو بلا سبب وتد ... ك طبيعة الكلب العقور

ومثله هو الذي عني بقوله تعالى: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ) .

والثاني: عدو خاص العداوة، وذلك إما بسبب الفضيلة والرذيلة كمعاداة الجاهل للعاقل، وإما بسبب تجاذب نفع دنيوي كالتجاذب في رياسة وجاه ومال، وإما بسبب لحمة وقرابة أو مجاورة مورثة للحسد كمعاداة بني الأعمام بعضهم لبعض، وذلك في كثير من الناس كالطبيعي.

وقد قال رجل لآخر: إني أحبك. فقال له: قد علمت ذلك، فقال له: من أين علمته، فقال: لأنك لست لي بشريك ولا بنسيب ولا جار قريب، وأكثر المعاداة بين الناس إنما تتولد من شيء من ذلك.

والثاني: عدو غير مضطغن للعداوة: ولكن يؤدي حاله بالإنسان إلى أن يقع بسببه في مثل ما يقع في كيد عدوه - فسمي عدوًّا لذلك، كالأولاد والأزواج. وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)

وقال - صلى الله عليه وسلم:"ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك اللَّه في قتله وإن قتلك أدخلك اللَّه الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك، وامرأتك التي تضاجعك، وأولادك الذين من صلبك"

فجعل - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء أعداء الإنسان لما كانوا سبب هلاكه الأخروي، لما يرتكبه من المعاصي لأجلهم، فيؤدي به إلى هلاك الأبد الذي هو شر من إهلاك المعادي الناصب إيَّاه.

واعلم أنه لكون الإنسان - أو بعض الناس - مشاركًا للشيطان في المعاداة سمى اللَّه تعالى الأعداء شياطين الإنس والجن في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) .

وقد سمى كل ما يتأذى به شيطانًا حتى قالوا: ما ليلة الفقير إلَّا شيطان مجنون

يؤذي بروح الإنسان، والفقير هو اسم بئر فجعله ليلة ورودها شيطانًا لتأذيه بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت