(بيان ما به يفضل الإنسان)
الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانًا أفضل موجود فذلك بشرط أن يراعي ما به صار إنسانًا، وهو العلم الحق والعمل المحكم، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضل؛ ولهذا قيل: الناس أبناء ما يحسنون، أي ما يعرفون ويعملون من العلوم والأعمال الحسنة.
يقال: أحسن فلان إذا علم وإذا عمل حسنًا.
أما الإنسان من حيث ما يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث ما يحس ويتحرك
فحيوان، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار.
وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه؛ ولهذا قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، فالإنسان يضارع الملك بقوة العلم والنطق والفهم، ويضارع البهيمة بقوة الغذاء والنكاح، فمن صرف همته كلها إلى تربية الفكر بالعلم والعمل
فخليق أن يلحق بأفق الملك فيسمى ملكًا وربانيًّا كما قال تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) ،
ومن صرف همته كلها إلى تربية القوة الشهوية باتباع اللذات
البدنية، يأكل كما تأكل الأنعام فخليق أن يلحق بأفق البهائم، فيصير إما غمرًا كثور أو شرهًا كخنزير، أو ضريًا ككلب، أو حقودً كجمل، أو متكبرًا كنمر، أو ذا روغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) .
ولكون كثير ممن صورته صورة إنسان وليس هو في الحقيقة إلا كبعض الحيوان، قال اللَّه تعالى في الذين لا يعقلون عن اللَّه: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)
وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22)
وقال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(55) .
فبين أن الذين كفروا ولم يستعملوا القوة التي جعلها اللَّه لهم هم شر الدواب، وقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)
أي مثل واعظ الكافرين كمثل ناعق الأغنام تنبيهًا أنهم فيما يقال لهم كالبهائم، وبهذا النظر عبر الشاعر عن بعض
من ذمَّه فقال:
اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا
ولم يقل"ومن ولدا"تنبيهًا أنه لا يستحق أن يقال له: مَن، لكونه بهيمة.