فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 238

(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ...(249)

(القناعة والزهد)

القناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي: القليل وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارًا برضا النفس، والزهد يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهُّد لا زهد، لذلك قال بعض المتصوفة:

القناعة أول الزهد تنبيهًا على أن الإنسان أولًا يحتاج إلى قنع نفسه والتخصص بالقناعة ليسهل تعاطي الزهد، فالقناعة هي الغنى في الحقيقة، والناس كلهم فقراء من وجهين:

أحدهما: لافتقارهم إلى اللَّه تعالى كما قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)

والثاني: لكثرة حاجاتهم فأغناهم أقلهم حاجة، ومن سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها طمع فإنه كمن يرقع الخرق بالخرق ويسد الفقر بالفقر، ومن سدها بالاستغناء عنها بمقدار وسعه والاقتصار على تناول مقدار ضرورياته فهو الغني والقريب من الله، كما أشار إليه فيما حكي عن طالوت: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)

ولأن الغنى هو عدم الحاجة فأغناهم أقلهم حاجة، ولذلك كان اللَّه تعالى أغنى الأغنياء، لأنه لا حاجة به إلى شيء، وعلى ذلك دل النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس"

ومن أبيات الحكمة:

غنى النفس ما يكفيك من سد خلة ... فإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقرَا

والخير بين أن يستغني عن الدنيا وبين أن يستغني بها كالخير بين أن يكون مالكًا

أو مملوكًا، وقويًّا أو ضعيفًا، ومعافى أو مبتلى، وحيًّا أو ميتًا، فمتى اختار الاستغناء بها فقد اختار أن يكون مملوكًا وضعيفًا وميتًا ومبتلى، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".

وقيل لحكيم: لم لا تغتم، فقال: لأني لم أتخذ ما يغمني.

واعلم أنه ليس الزهد من ترك المكسب في شيء، كما توهمه قوم أفرطوا حتى قربوا من مذهب المانوية والبراهمة والرهابنة فإن ذلك يؤدي إلى خراب الدنيا، وهلاك العالم، ومضادة اللَّه - عز وجل - فيما قدر ودبر، وقد تقدم ذلك.

والزهد من وجه صبر، ومن وجه جود، فالجود ضربان: جود بما في يدك متبرعًا، وجود عما في يد غيرك متورعًا، وذلك أشرفهما، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي، ويعرف عيوبها، وآفاتها، ويتحقق ما يستغنى عنه منها، ويعرف الآخرة وافتقاره إليها، ولأجل أنه لا بد في ذلك من العلم قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) .

ولأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة، وهو يبيعها بها كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)

ومحال أن يبيع كيِّسٌ عينًا بأثر إلا إذا عرفها وعرف فضل المبتاع على المبيع.

وقد قيل لبعض الزهاد: ما أزهدك وأصبرك؟ فقال: أما زهدي فرغبة فيما عند اللَّه، وهو أعظم مما أنت فيه، وأما صبري فلجزعي من النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت