(الظلم)
الظلم: هو الانحراف عن العدل، ولذلك حدَّ بأنه: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وقد تقدم أن العدل يجري مجرى النقطة من الدائرة فتجاوزها من جهة الإفراط عدوان وطغيان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا(167)
والانحراف عنها في بعض جوانبها جور والظلم أعم الأسماء، ولما كان الظلم ترك الحق الجاري مجرى النقطة من الدائرة صار العدول عنه إما قريبًا وإما بعيدًا، فمن كان عنه أبعد كان رجوعه إليه أصعب"ولذلك قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60) "
تنبيهًا أن الشيطان متى أمعن بهم في البعد من الحق
صعب عليهم حينئذٍ الاهتداء، ولأجل من فعل بهم الشيطان ذلك قال تعالى:
(أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44) .
وأما المستعمل معهم الظلم فخمسة، وهم الذين يجب استعمال العدل معهم وقد تقدم ذكرهم، الأول: رب العزة، الثاني: قوى النفس، الثالث: أسلاف الرجل، الرابع: معاملوه من الأحياء، الخامس: عامة الناس إذا تولى الإنسان الحكم بينهم،
وقد قال بعض العلماء: أظلم الناس من جار على نفسه، ثم مَن جار على ذويه، ثم من جار على كافة الناس، وأفضلهم من عدل مع كافة الناس، ثم مع عشيرته، ثم مع نفسه
وهذا قول وارد بنظر عامي، فإن الظالم لا يكون ظالمًا لغيره حتى يظلم أولا نفسه، فإنه في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذًا الظالم أَبْدأُ مبتدئ بظلم نفسه، والعادل مع الناس إذا همَّ بالعدل وتحراه فقد عدل مع نفسه قبل أن يعدل مع غيره، وقد قال بعضهم
الظلم ثلاثة: الظالم الأعظم: وهو الذي لا يدخل تحت شريعة اللَّه تعالى وإياه عنى بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13) .
والأوسط: وهو الذي لا يلتزم حكم السلطان.
والأصغر: هو الذي يتعطل عن المكاسب والأعمال فيأخذ منافع الناس ولا يعطيهم منفعة، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطبع وبالخلق والتخلق والتصنع والرياء والرغبة والرهبة فقد انسلخ عن الإنسانية، ومتى صار أهل كل صقع على ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويهم ضعيفهم ولم يبقَ فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ويصدهم عن الفساد، فقد تقدم أن عادة الله سبحانه في أمثالهم إهلاكهم وإفناؤهم واستئصالهم عن آخرهم.