فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 238

اللذة إدراك المشتهى والشهوة انبعاث الحس لنيل ما يتشوقه، وهي ثلاث: بحسب القوى الثلاث، وبحسب المقتنيات الثلاث: لذة عقلية: وهي التي يختص الإنسان بها كلذة العلم والحكمة، ولذة بدنية: يشارك فيها جميع الحيوان الإنسان، كلذة المأكل والمشرب والمنكح، ولذة مشتركة بين بعض الحيوان وبين الإنسان كلذة الرياسة والغلبة.

وأشرفها وأقلها وجودًا اللذة العقلية فشرفها أنها لا تمل ولا تبتذل لكن لا يعرفها إلا من تخصص بها كالحكمة لا يستلذها إلا الحكيم. وأدون اللذات منزلةً وأكثرها وجودًا اللذة البدنية فكل إنسان يتشوقها وكل حيوان، لكنها تمل تارة وتراد تارة، وهي من وجه مداواة من آلام ومن وجهٍ هي آلام، وعلى هذا قال الحسن - رحمه الله - في وصف الإنسان:

صريع جوع وقتيل شبع.

وجميع اللذات تنقسم عشرة أقسام:

مأكل ومشرب ومنكح وملبس ومشموم ومسموع ومبصر ومركب وخادم ومرفق من الآلات وما أشبهها، وقد جعل ذلك سبعة فأدخل المركب والمرفق والخادم وما يجري مجرى ذلك في جملة المبصرات، وعلى ذلك روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه حيث قال لعمار بن ياسر وقد رآه يتنفس فقال:"يا عمار على ماذا تنفسك، إن كان على الآخرة فقد ربحت تجارتك، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك، فإني وجدت لذاتها سبع: المأكولات والمشرويات والمنكوحات والملبوسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات،"

فأما المأكولات: فأفضلها العسل وهو صنعة ذباب، وأما المشروبات: فأفضلها الماء وهو مباح أهون موجود وأعز مفقود، وأما المنكوحات: فمبال في مبال وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأما الملبوسات: فأفضلها الديباج وهو نسج دودة، وأما المشمومات: فأفضلها المسك، وهو دم فأرة، وأما المسموعات: فريح هابة في الهواء، وأما المبصرات: فخيالات صائرة إلى الفناء"، وقد ذكر الله تعالى"

أصل ذلك في قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .

والمشار إليه بحرث الدنيا إلى هذه الأشياء السبعة على ما ذكرناه عن علي كرم اللَّه وجهه، والعشرة على ما ذكره غيره، وكلا القولين في التحصيل واحد، والمراد بالنساء: اقتناؤهن والاستكثار منهن، وبالبنين: الذكور من الأولاد والحفدة والخدم، وبالأنعام: الأزواج الثمانية، وبالخيل: المسومة السائمة منها والمستعد.

واعلم أن الذي هو ضرورة للإنسان من هذه اللذات ولا قوام له في هذه الدنيا إلا به ما هو مشترك بينه وبين جنسه من الحيوان من المأكل والمشرب ويجمعهما اسم الغذاء والمنكح، فبالغذاء بقاء الأشخاص، وبالنكاح بقاء الأنواع، ولذلك صارت الحاجة إليهما ضرورية وصار تناولهما لا بد منه، وسائر اللذات مخصوص بها الإنسان وليس بضروري له ويتناوله بفكره، وتأنف الملوك من هذه الملاذ إلا اثنتين: السماع، لكونه من وجه لذة روحانية، والبناء، لكونه دالّا على الهمة الرفيعة، ومتى كانت الشهوة متناهية عقلية كانت أم بدنية يقال لها: الحرص فقط، والحريص قد يكون محمودًا.

ولذلك قال تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)

ومتى كانت الشهوة للقنيات قيل لها: الشره سواء كان مالًا أو طعامًا أو نكاحًا، ومتى كانت للطعام قيل لها: النهم، فإذا كانت للنكاح قيل لها: الشبق، وثلاثتها - أعني الشبق والنهم والشره - مذمومة وما روي من قوله - صلى الله عليه وسلم:"منهومان لا يشبعان منهوم بالمال"

ومنهوم بالعلم"فالنهم في العلم استعارة وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر قواها عنه فينبت، وقد قال - صلى الله عليه وسلم:"إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت