(ما يحسن ويقبح من الصدق والكذب)
ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه، وقال كثير من الحكماء والمتصوفة: إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة منه، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة منه وذلك أن الأقوال من جملة الأفعال.
وشيء من الأفعال لا يحسن لذاته، بل إنما يحسن ما يحسن لما يتعلق به من المنافع، ويقبح ما يقبح لما يتعلق به من الضرر الموفي على ما فيه من النفع وبالعكس، ألا ترى أن أعظم ما يجري في العالم القتل والغصب، وقد يقع كل واحد منهما على وجه يحسن وعلى وجه يقبح، وكذا المقال من الصدق والكذب، ولذلك قل - صلى الله عليه وسلم:"لا يحسن الكذب إلا في ثلاث: إصلاح ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها، وكذب الرجل في الحرب فإنها خدعة"،
وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم:"إذا أتاكم عني حديث يدل على هدى أو يرد عن ردى فاقبلوه، قُلته أو لم أقله، وإن أتاكم عني حديث يدل على ردى أو يصد عن هدى فلا تقبلوه، فإني لا أقول إلَّا حقا" (1)
قالوا: والكذب يكون قبيحًا بثلاث شرائط: أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه، وأن يكون الخبر قد اختلقه قبل الإخبار به، وأن يقصد إيراد ما في نفسه، لا نفعًا أعظم من ضرر ذلك الكذب مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره، ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلًا وآجلًا، قالوا: ولا يلزم على هذا أن يقال: جوزوا الكذب فيما يرجى
منه نفع دنيوي، فإن المنفعة الدنيوية ولو كانت ملك الدنيا بحذافيرها لا تعادل الضرر الحاصل من أدنى كذب، وإنما هذا الذي قلناه يتصور في نفع أخروي يكون الإنسان فيه عاجلًا وآجلًا معذور كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله، فيقول: هل فلاف في دارك، فتقول: لا، فهذا يجوز، لأن نفع هذا الكذب موفي على ضرره وهو فيه معذور، ولا خلاف أن في المعاريض حيث يضطر الإنسان إليها تجوز، ولذلك قيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب، ولم يزل الأنبياء والأولياء يفزعون إليها كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله: من أين أنت، فقال:"من الماء"، وقول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي سَقِيمٌ(89) .
وقوله:"هذه أختي"، وقوله: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) .
وأما الصدق: فإنما يحسن حيث يتعلق به نفع ولا يلحق ضررًا بأحد، فمعلوم قبح قول من يقعد ويقول: السماء فوقي والأرض تحتي من غير أن يريد أن يجعل هذا مقدمة دليل أو إفادة معنى يعلقه به، وكذا تقبح النميمة والغيبة والسعاية وإن كان ذلك صدقًا، ولذلك قيل: كفى بالسعاية ذمًّا أنه يقبح فيها الصدق.
وأقبح الكذب مع قبح كله أو جُلّه ما لا يتعلق به رجاء نفع عاجل أوآجل، ويجلب إلى المقول له ضررًا كرجل يأتيك من بلد بعيد فيقول لك: إن ملك ذلك البلد يرغب فيك، ويتشوق إليك، ويسألك أن تأتيه لينيلك مالًا وجاهًا، فإذا وردت عليه لم تجد لذلك القول حقيقة، بل وجدت ذلك الملك حنقًا عليك.
(1) ورد في هذا المعنى عدة روايات، قال السخاوي - وذكر له روايات ضعيفة - الحديث منكر جدا، وقال العقيلي: ليس له إسناد صحيح، وقال عنه ابن حجر: إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، وقال الصفائي
عما في معناه: إنه موضوع. كشف الخفاء (1/ 186) رقم (220) .