فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 268

تمثل نظرية السيادة الجانب الإلحادي في الفكر السياسي الأوروبي الحديث , فقد انطلقت من منطلق إلحادي لأناس عاشوا في كنف الكنيسة ردحًا من الزمن , يتقلبون بين الجهل والظلمات , فلا يخرجون من ظلمة إلا ودخلوا في غيرها , حتى سئمت نفوسهم , وضاقت سعتهم , فكفروا بالكنيسة , وكفروا برب الكنيسة , وكفروا بحكم الكنيسة.

وكان ذلك نتيجة لتحكم الهوى وغلبة الشهوات على آباء الكنيسة الذين حرّفوا دينهم واستلبوا ما ليس لهم بحق , فاستلبوا الحكم الزمني - الدنيوي - بحجج واهية وأكاذيب مفضوحة , ولما لم يكن للكنيسة شريعة منزلة , حيث أنه لم يأت في الإنجيل شريعة مستقلة , فقد كانت شريعة اليهود هي الأصل , ولما كان العداء مستحكمًا بين الكنيسة واليهود , أعرض القسس عن شريعة التوراة , وحكَّموا عقولهم وأهواءهم لخلوّ كتابهم من الشريعة , فإذا أضفنا إلى ذلك تحريف اليهود لعقيدتهم , وتحريفهم للإنجيل , تبينّا مدى الهوة التي سقط فيها النصارى وسقطت فيها الكنيسة , وليس أدل على ذلك من وصف الله عز وجل لهم بـ"الضالين", فهم في ظلمات الجهل يتقلبون.

فلما كانت الحالة هذه , عمد آباء الكنيسة إلى الفلسفة الوثنية الوضعية , يستقون منها النظم والأحكام , فصبغوا دينهم بصبغة وثنية , لا سيما وثنية"أفلوطين"في القرن الثاني من الميلاد , ثم دمغوا دينهم وحكمهم بالجهل المطبق , إذ حكّموا عقولهم وأهواءهم في كل شيءٍ تقريبًا , فيما يتعلق بالدين , وفيما يتعلق بالدنيا .. فكان هذا التاريخ المزري من محاربة العلم التجريبي والبحث العلمي واضطهاد المكتشفين والمخترعين.

وقارن ذلك استيلاء الكنيسة على الحكم الزمني -الدنيوي- فعمّ الجهل وضرب بأطنابه على كل جوانب أوروبا , فسميت فترة سيادة الكنيسة بـ"العصور المظلمة", وهو اسم على مسمى ,فلقد بدأت الكنيسة أول عهدها بالمقولة المكذوبة على عيسى عليه السلام , والتي أنتجها الخوف والمداهنة: (إعط مالقيصر لقيصر , وما لله لله) .

ثم انقلب الأمر على يد الآباء الذين قادهم الشره والطمع وحب الدنيا ونيل المكاسب إلى واقع تاريخي إذا نطق قال: إن عقيدة الكنيسة تقول: (اعط مالقيصر للبابا , واعط ما لله للبابا) ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت