فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 268

-ثم هي أخيرًا لا يرد عليها أي استثناء من حيث الأشخاص والأشياء , بمعنى أنه لا يمكن أن يستثنى من الخضوع لها أي شخص أو أي أشياء في الدولة , لأن من يستثنى منها لن يكون خاضعًا للدولة.] [1]

إن هذه السيادة التي رتبها"لوازو"للملك ما هي إلا ألوهية مفرطة , فالملك لا يُقيَّد بأي قيد أو حد , ولا يُتصَور من هو أعلى منه , فإذا قال قائل: ولكنه لم يصرح أنه أعلى من الله أو مساوٍ له , قلنا: وما الذي يجعل إرادة هذا الملك وهو واحد من البشر أعلى من جميع إرادات البشر , إلا أن يكون إلها؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

إن هذا المعنى تواتر عند الأوروبيين , فقد نقل الدكتور فتحي عبد الكريم عن"برتراند"في كتابه (السيادة) عن أحد الإنجليز المعاصرين لـ"لوازو"واسمه"Albericus Gentils"قوله:

[إن صاحب السيادة هو من لا تعلوه سلطة أخرى , فإذا ما وجد أقل شك في استقلاله فإنه لا يكون صاحب سيادة , فالسيادة لا يعلوها شخص ولا قانون ولا تحدها أي قيود أو حدود] [2]

إن هذه ألوهية .. لقد خلعوا على هذا الملك صفات الألوهية , فهو أعلى من جميع البشر مجتمعين ممن يعيشون في مملكته , وعليهم أن يسمعوا له , لا لشيء إلا أنه الملك , فسيادته تنبع من ذاته!

ولقد فشل كل فلاسفة السياسة في تبرير خضوع الشعب لإرادة بشرية , إذ أنه لا شرعية مطلقًا لأن يأمر بشر , لا لشيء إلا لكونه بشر فيطيعه الآخرون.

ولقد صرّح كبار فلاسفة السياسة وأساتذة القانون الدستوري -كما سأنقل أقوالهم لاحقًا - بأن نظرية السيادة لا يمكن تفسيرها تفسيرًا منطقيًا معقولًا إلا إذا فُسِّرت من وجهة النظر الدينية فقط , فمن المعقول والمفهوم أن يكون إله يأمر وخلق يطيعون , أما أن يأمر مخلوق مخلوقًا لا لشيءٍ إلا أنه مخلوق , فذلك شيء لا يُتصور , سواء كان هذا المخلوق"البابا"أو"الملك"أو"الشعب", فالجميع في النهاية بشر , فكيف تسمو إرادتهم على إرادة غيرهم؟

(1) "الدولة والسيادة: 53".

(2) "الدولة والسيادة: 53".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت