وجاء شاهد لحديث ابن عمر، جاء عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا عليه أن اللَّه احتجب بأربع، وروى الدارمي بسنده عن زرارة بن أبي أوفى مرفوعًا أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل: هل رأيت ربك، قال بيني وبينه سبعين حجابًا من النور، رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وابن خزيمة في التوحيد.
وخلاصة المسألة: أن الحجب ثابتة وأن اللَّه احتجب عن خلقه بحجب عدة، والله أعلم بها من حيث العدد والماهية وإن كان جاء في بعض الآثار أنها أربع وفي بعضها سبعين فالله أعلم، ومن حيث الماهية وإن كان جاء في بعض الآثار أنه نور، نار، ظلمة فالله أعلم.
مسألة: هل من صفات الوجه أن يقال له صورة أي للوجه صورة؟
3 -جاء في حديث أبي هريرة مرفوعًا قال:"من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" [1] .
أما بالنسبة للحديث هذا فقد رواه ابن أبي عاصم في السنة، ورواه غيره، لكن الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف الحديث، وفي هذه المسالة نقول الله أعلم
أما من حيث إثبات الصورة لله، فإن أهل السنة بالإجماع يثبتون الصورة لله عزوجل، وقد دل على ذلك حديث متفق عليه، فإن اللَّه خلق آدم على صورته، وفي رواية على صورة الرحمن.
والصحيح في الضمير أنه يرجع إلى اللَّه عز وجل، وهذا هو اختيار جميع السلف، وقد نقل الإجماع ابن تيمية، حيث قال في نقض التأسيس لم يكن بين السلف والقرون المفضلة الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى اللَّه عز وجل، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وقال مرة: علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول بأن اللَّه خلق آدم على صورة الرحمن بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا.
وجاء عن بعض السلف إعادة الضمير على المضروب، وهذا القول اختاره ابن خزيمة في كتاب التوحيد، لكنه ضعيف جدًا، وهذا القول محجوج بإجماع السلف قبله، وممن أعاد الضمير إلى غير اللَّه من السلف: أبي ثور، وأبي الشيخ الأصبهاني، ذكر ذلك عنهما الدكتور عبد اللَّه الدميجي في تعليقه على الشريعة للآجري [2] ، وهناك قول ثالث في إرجاع الضمير لآدم أي أن اللَّه خلق آدم على صورته، وهذا القول هو قول الجهمية وأهل الكلام ولا يجوز القول به. وقد قال الإمام أحمد: من قال إن اللَّه خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي.
مسألة: ذكر البخاري رحمه اللَّه تعالى في صحيحه في تفسير سورة القصص، قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [3] ، قال البخاري: يقال إلا ملكه، ويقال: إلا ما أريد به وجهه، انتهى.
وهذا فيه إشكال، ووجه الإشكال تفسير الوجه بالملك، وتفسير الوجه بإرادة الثواب أو الإخلاص، ولكن الإشكال يزول إذا عرفنا مسألتين:
أ - أن البخاري على مذهب السلف في مسألة الوجه بل إنه في آخر صحيحه في كتاب التوحيد، قال: باب ما جاء في كل شيء هالك إلا وجهه، وذكر حديث الاستعاذة بوجه اللَّه مما يدل على أنه يثبت الوجه.
ب - أن البخاري في نقله لمن فسر الوجه بالملك، قال (يقال) وهذه صيغة تمريض تدل على أنه لم يثبت القول، وإنما ذكره رحمه اللَّه لبيان ضعفه. ومما سبق في كلام البخاري تبين لنا حسن صنيعه رحمه اللَّه.
والغريب أيضًا أن ابن جرير الطبري في تفسير سورة القصص لما فسر قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} قال: اختلف في معنى إلا وجهه، وذكر أقوالا ثم قال، وقال بعضهم إلا ما أريد به وجهه، وأبهم ابن جرير القائل على خلاف عادته في ذكر السند إلى من ينقل عنهم التفسير من السلف. علمًا بأن ابن جرير من أهل السنة ومن أئمة السلف يثبت الوجه على طريقة السلف.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 902 (2420) ، ومسلم في صحيحه 4/ 2016 (2612) .
(3) القصص: 88.