وقد ذكر ابن القيم أحاديث كثيرة توضح أن الآية تدل على الصفة وهو مبحث قوي، والخلاف يسير في هذا، فما دام أنهم يثبتون صفة الوجه لله تعالى، لكن في هذه الآية بالذات فسروها بأنها القبلة أو الجهة كما قال الشافعي. ولا شك أن هذا القول الثاني أي أنها من آيات الصفات هو الراجح وهو أيضا أقوى وأكثر احتياطًا وفيه سد لباب التأويل، ثم هو جاري على الأصل في الصفات المضافة إلى اللَّه تعالى.
بعض المسائل المتعلقة بصفة الوجه لله تعالى:
1 -ما جاء في الأحاديث من ذكر سبحات وجه اللَّه تعالى، فما هي السبحات؟
قبل تفسيرها نذكر الأحاديث الوارد فيها ذكر السبحات:
حديث أبي موسى مرفوعًا:"إن اللَّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، إلى أن قال: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" [1] .
أما تفسير السبحات فقد قال الإمام أبو عبيد في كتابه غريب الحديث لما تكلم عن الحديث - لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره - قال: السبحة هي جلال وجهه ونوره [2] .
وفسر السبحات أيضًا الإمام الدارمي في كتابه الرد على بشر المريسي، قال: السبحات أي الجلال والنور، وقال مرة: لو كشف الحجب لأحرقت نور الرب وجلاله، وقال مرة: لو أدركه شيء من سبحات وجهه في الدنيا لاحترق.
ويتضح من كلام الإمامين أن السبحات مضافة إلى وجه اللَّه، وأنها من صفات الوجه، ولذا قال ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) أن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء، وفسر ابن خزيمة السبحات بالنور والضياء والبهاء، فأصبح السبحات صفة للوجه، وهذا هو التفسير الراجح.
وجاء عن بعض أهل السنة أنه فسر السبحات بنور الذات، وبعضهم فسر السبحات بالنور المخلوق وأنه هو معنى حديث:"إن اللَّه احتجب عن خلقه بالنور، وإن السبحات هي التي رآها الرسول عليه الصلاة والسلام لما عرج به، وقيل له هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه" [3] .
وبعضهم فسرها بمحاسن الوجه، وهذا التفسير قريب من تفسير ابن خزيمة بأنها الضياء والبهاء لأن هذا محاسن للوجه.
وأما تفسير السبحات بنور الذات ففيه توسع لأن السبحات نُسبت إلى الوجه لا إلى الذات كما في الحديث:"حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" [4] رواه مسلم، في كتاب الإيمان.
والراجح في المسألة التفسير الأول الذي عليه الأئمة الثلاثة أبو عبيد والدارمي وابن خزيمة، إذ أن السبحات صفة مضافة إلى الوجه. أما التفسير الثاني أنها نور الذات فهو تفسير ابن القيم نقله عنه الشيخ عبد اللطيف في الرسائل والمسائل النجدية [5] ، أما تفسيرها بأنها نور مخلوق هذا ضعيف.
2 -مسألة الحجب التي احتجب اللَّه بها عن خلقه.
وهي مسألة يذكرها بعض أهل السنة عند ذكر الوجه ويجعلونها من المسائل التابعة للوجه كما فعل الدارمي في رده على الطاغية بشر المريسي.
وقد ثبت في القرآن والسنة ذكر الحجب، أما في القرآن قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحيًا أو من وراء حجاب} [6] .
ومن السنة: فقد جاء في الصحيح من حديث صهيب [7] :"إذا دخل أهل الجنة الجنة ... إلى أن قال: فيكشف الحجاب"، ثم ذكر الرؤية دليل على أن الحجاب من مسائل رؤية وجه اللَّه سبحانه وتعالى.
وحديث أبي موسى مرفوعًا:"حجابه النور". وروى الدارمي وغيره0 عن ابن عمر موقوفًا عليه احتجب اللَّه عن خلقه بأربع، بنار ونور وظلمة ونور.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 161 (ح179) .
(2) غريب الحديث 3/ 173.
(3) رواه مسلم في صحيحه 1/ 161 (178) ، وأبو داود في سننه 1/ 64 (ح474) .
(4) سبق تخريجه.
(6) سورة ...:
(7) سبق تخريجه.