واختاره ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وانتصر لذلك ونفى أن تسمى شمالا، وقال في أول كلامه، إن مذهبنا ومذهب أهل الأثر، وذكر إثبات اليد وقال: ونقول كلتا يديه يمين لا شمال فيهما، وذكره أيضًا ابن بطة في كتابه"الإبانة"في كتاب الرد على الجهمية، ذكر باب كلتا يديه يمين.
القول الثاني:
أنها تسمى بالشمال (أي اليد الثانية) واستدلوا بحديث رواه مسلم من حديث ابن عمر أنه قال ثم يطوي الأرضين بشماله [1] ، وذهب إلى هذا القول الدارمي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر كتاب التوحيد وأبي يعلى في كتاب (إبطال التأويل) . وزاد الدارمي أنها تسمى (يسار) أيضًا، أي شمال أو يسار، واستدلوا على ذلك بحديث سلمان في إثبات الشمال، والحديث إن اللَّه خمّر طينة آدم بيده، فخرج كل طيب بيمينه، وكل خبيث بشماله، وأما استدلالهم باليسار، فهو حديث أبي الدرداء مرفوعًا:"خلق اللَّه آدم حين خلقه فضرب كتفه الأيمن فأخرج ذرية بيضاء إلى أن قال: وضرب كتفه اليسرى فقال للتي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي بيساره إلى النار ولا أبالي" [2] .
القول الثالث:
أن اليد الثانية تسمى الأخرى ولا يطلق عليها يمينا ولا يسارا ولا شمالا، وإنما يقال اليد الأخرى، ودليلهم في ذلك ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر:"ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى".
والراجح في المسألة: القول الأول، وهي أن تسمى الثانية يمين، أما الرد على أدلة المخالفين، فحديث ابن عمر في مسلم في ذكر الشمال فوصف الشمال شاذ، تفرد بها عمر بن حمزة وضعّفها البيهقي في الأسماء والصفات [3] .
ورواه نافع وعبد اللَّه بن مقسم رويا حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم ولم يذكرا الشمال، وأما حديث سلمان أنه أخرج كل خبيث بشماله، هذه ضعفها البيهقي في الأسماء والصفات ص327، أما حديث أبي الدرداء، الشاهد قوله:"وقال للتي في يساره"لم نتمكن من بحث صحة الحديث، ولعله يتيسر فيما بعد بحثه.
صفة الأصابع لله تعالى ومن يثبتها:
بعض أهل العلم يجعلون الأصابع تابعة لليد ويجعلون من صفة اليد لله الأصابع لها، لأن هذا مقتضى اللغة العربية، وهذا ما يفهمه العربي حينما يقال له ذلك.
لكن الأحسن أن يحتاط في المسألة، ويسكت عن نسبة الأصابع إلى اليد، إنما يقال له أصابع أو لله أصابع، ولذا السلف يقولون: إثبات الأصابع لله ولا يقولون إثبات الأصابع ليد اللَّه ونسبتها إلى اللَّه في قول أصابع اللَّه أدق وأحوط، مع أن القول الأول له قوة من ناحية دلالة اللغة العربية عليه فالأول أقوى دليلا والثاني أحوط لمن أشتبه عليه، ونسأل الله أن لا يكون في كلامنا هذا شيء من التنطع المذموم والتعمق ونستغفر الله ونتوب إليه واللَّه أعلم.
وأما ثبوت الأصابع لله فقد جاء ثبوتها في السنة بأحاديث صحيحة منها حديث:"يضع السموات على إصبع" [4] ، وهو في الصحيح من حديث ابن مسعود وكذلك حديث أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وأهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات الأصابع لله على ما يليق بجلاله.
ومذاهب الناس في إثبات الأصابع على أقسام:
1 -أهل السنة والجماعة وهم على إثبات الأصابع لله عز وجل.
2 -الذين يؤولون الأصابع كتأويل اليد، فيؤولونها بالقدرة والملك ... إلخ. وهذا مذهب الجهمية والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة والماتريدية، ويضاف على ذلك آخرون أثبتوا اليدين كما مر معنا لكنهم أولوا الأصابع كالبيهقي وشيخه ابن فورك.
(1) رواه مسلم في صحيحه 4/ 2148 (ح2788) .
(2) رواه أحمد وعبد اللَّه بن أحمد في السنة1059، والبزار برقم (2) ، 6/ 441.
(3) ص324.
(4) رواه البخاري في صحيحه 4/ 1812 (ح4533) ، ومسلم في صحيحه 4/ 2147 (ح2786) .