والجواب: أن المصنف لم يرد الاستيعاب، وإلا حكم هذه الأمور حكم الجهاد والحج، ولم يذكر المصنف أيضًا الصيام، أما الصيام فقد جاء في الحديث:"الصوم يوم تصومون" [1] ، فيقال: إذا كان الإمام يهتم بالصيام ويعتمد على الرؤية الشرعية فيقام معه ويُفطر معه برًا كان أو فاجرًا مسلمًا أو كافرًا، وإن كان لا يهتم بالطرق الشرعية وإنما بالحساب فهنا يتحرى الإنسان بالطرق الشرعية ولا يتبعه إلاّ إن خشي على نفسه من ضرب أو سجن، فيصوم ويفطر سرًا , فإن تعذر عليه الطرق الشرعية جاز أن يبتدأ وينتهي معهم من أجل ضرورة إقامة هذه الشعيرة.
بالنسبة للزكاة، فإن كان الأئمة أهل عدل تدفع لهم الزكاة وإن كانوا أئمة جور ويصرفونها في غير مصارفها، فيجوز (ولاحظ كلمة يجوز) دفعها لهم كما كان ابن عمر يدفع زكاته إلى أئمة الجور وهذا إن طلبوها منه، ولكن لا يتقصدهم ويذهب إليهم.
وأما إن كانوا كفارًا فلا يجوز الدفع إليهم إلاّ إن خشي على نفسه ويتحيل على أن لا يدفع إليهم شيئًا.
ثم ذكر المصنف الدليل على هذه المسألة وهو حديث أنس مرفوعًا قال:"ثلاث من أهل الإيمان، ثم قال: والجهاد ماضٍ منذ بعثني اللَّه عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل" [2] رواه أبو داود.
قضايا معاصرة:
سبق أن ذكر المصنف أن مذهب أهل السنة والجماعة الجهاد مع الأئمة المسلمين سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا، هذه مسألة يتبعها قضايا معاصرة، وهي كالتالي:
1 -ما الحكم لو كان جزء من الجيش فجارا أو مبتدعة فهل يشترك معهم في الجهاد؟
الجواب: نعم؛ لأن قول المصنف ونرى الجهاد مع كل بر وفاجر فإنه يشمل سواء كان الفاجر هو الإمام أو قائد الجيش أو كان الفاجر متبوعًا، وهم بعض الجيش، ولذا لو قام الجهاد الإسلامي (ولاحظ قيد إسلامي) ، وكانت القيادة فاجرة أو أفراد الجيش فساقًا أو فجارًا فلا مانع من الجهاد معهم ويدل عليه غزوة حنين حيث خرج مع النَّبِيّ عليه السلام اثنا عشر ألف، منهم ألفان من مسلمة الفتح، لم يمض على إسلامهم سوى شهرين حتى إن بعضهم قال:"اجعل لنا ذات أنواط" [3] .
ويدل عليه أيضًا: أن في بعض غزوات النَّبِيّ عليه السلام كان يشترك معهم فجار، كالغزوة التي اشترك فيها رجل ثم قتل نفسه.
وكذا في غزوة أحد التي شارك فيها المنافقون، ولكن إذا شارك معنا فجار أو فسقة أو مبتدعة فيجب نصحهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ردّ المخذل منهم والمثبط وكبته والحذر منه. مع التنبيه أنه لو طلب كفار (وهم ضعفاء مخذولون على شكل أفراد) فلا يجوز تمكينهم من الجهاد معنا ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (فكيف بالجماعات والدول؟؟) ، لقوله عليه الصلاة والسلام:"ارجع فلن نستعين بمشرك" [4] ، رواه مسلم.
2 -قوله (ونرى الجهاد مع الفجار) هناك فرق بين كون الإمام فاجرًا وبين كون الراية فاجرة، بينهما فرق عظيم، فإذا كان الإمام فاجرًا بمعنى أنه لم يأت بالمكفر، لكن يجاهد جهادًا شرعيًا، أو لمقاصد شرعية، هذا هو المقصود، أن يجاهد معه.
أما لو كانت الراية فاجرة بمعنى أن هدف القتال دنيوي أو لإغراض غير شرعية فهنا لا يقاتل معهم، ما دامت الراية فاجرة، بل ولو فرضنا جدلا أن الإمام عادل ورايته فاجرة لم يجاهد معه.
(1) رواه الترمذي في سننه 3/ 80 (ح697) ، والدارقطني في سننه 2/ 164 (ح35) .
(2) رواه أبو داود 3/ 18 (ح2532) .
(3) رواه الترمذي في سننه 4/ 475 (ح2180) ، وأحمد في مسنده 5/ 218 (ح21947) .
(4) رواه مسلم في صحيحه 3/ 1449 (ح1817) ، والترمذي في سننه 4/ 127 (ح1558) .