وأما الموقف الثاني المتعلق بالسكنى والمخالطة فقال المصنف (ومباينتهم) والمباينة مفاعلة بمعنى المجانبة، أي تكون في جانب وهم في جانب، وهي بمعنى المباعدة، فلا تسكن معهم في بيت واحد.
وهذان الشيئان - المقاطعة الكلامية وعدم المساكنة - تعتبر أصل من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي أصل في هذه المسألة، إلاّ أنه قد يخرج عن هذا الأصل فيما لو لم يستطع أوأكره على ذلك، أو اضطر ضرورة شرعية فيجوز ترك هذا الأصل مؤقتًا إلى وقت زوال المانع، ثم يعود إلى ذلك الأصل.
ومثله أيضًا: لو رجى قبول هذا المبتدع، وظن أنه يقبل الحق فكلمه أو ساكنه فلا مانع بشرط أن يأمن على نفسه، ويدل عليه أدلة:
1 -ما ثبت في الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام زار أبا طالب يدعوه إلى اللَّه. فهذا الحديث أصل في زيارة الكافر والمبتدع إذا رجي القبول.
2 -ما رواه الإمام أحمد أن الرسول زار يهوديًا جارًا له يدعوه إلى الإسلام فأسلم.
3 -أن الرسول كان يغشى أسواق الكفار بمكة يدعوهم إلى اللَّه.
ثم قال المصنف: (وترك الجدال والخصومات في الدين) .
قوله (ترك الجدال) هل الألف واللام للعموم، أي المقصود أن يترك مطلق الجدال، حتى مع المسلمين، أم هي للخصوص ويقصد بها ترك جدال المبتدعة؟ الثاني، وسبب الترجيح السياق لأن السياق مع المبتدعة، وعلى ذلك فيكون هذا أمر ثالث بالنسبة للمبتدعة، مضى منه اثنان وهو مقاطعتهم كلاميًا والابتعاد عنهم بدنيًا.
ويضاف هذا الثالث وهو ترك الجدال معهم، ويقصد بالجدال ترك الحوار والمناقشة معهم، وهل هذا عام باعتبار الأشخاص، أم خاص؟
الجواب: أنه ليس على عمومه، وإنما هناك طائفة لابد أن تجادل المبتدعة وآخرون يتركون الجدال. أما الطائفة التي تجادل فهم العلماء وليس كل عالم، بل عالم خبير بمذهب هؤلاء المبتدعة المطلع على نقاط الضعف والتناقض في مذهبهم؛ لأن المجادلة كالمبارزة في القتال، ولذا لا يجوز المبارزة إذا التقاء الجيشين إلاّ من كان قويًا شجاعًا متدربًا على المبارزة.
أما الآخرون الذين يتركون الجدال فمثل عوام أهل السنة وشباب الصحوة، وطلبة العلم غير المطلعين وأمثال هؤلاء.
أما حكم جدال المبتدعة فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. ويتعين الواجب أكثر إذا أثاروا من البدع ما يُخشى أن يفتن المؤمنين، وقد كان السلف يردون على أهل البدع مثل كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد، والرد على الجهمية للدارمي، وكتاب الرد على بشر المريسي للدارمي أيضًا.
وقول المصنف (والخصومات في الدين) أي ومن السنة ترك الخصومات في الدين. والظاهر واللَّه أعلم أن واو العطف في الخصومات أنه العطف على الترك، فيكون كلام المصنف: ومن السنة ترك الجدال في الدين وترك الخصومات في الدين.
على ذلك فلابد من التفريق بين الجدال والخصومات؛ لأن الترك منصب عليهما، فيكون الجدال واللَّه أعلم أن يترك الحوار والنقاش الطارىء معهما، وأما الخصومات فهو أن ينتصب شخص ويعد نفسه للجدال ويتتبع المبتدعة للحوار معهم وعلى ذلك فالخصومات أخص من الجدال.
وقول المصنف (في الدين) هل المقصود أن لا يناقش ويجادل في الدين مع المسلمين؛ لأنه يورث البغضاء أم المقصود الخصومات مع المبتدعة؟
يحتمل الأمران والثاني أقرب، أي يترك الخصومات مع المبتدعة، إلاّ ما استثني وهذا يؤدي إلى وجود طائفة قادرة علميًا على الجدال مع المبتدعة، متفرغة وتكون مهمتها متابعة المبتدعة والتصدي لهم ومخاصمتهم.
وقول المصنف (في الدين) ليس لها مفهوم وليس معنى ذلك أن لا يخاصمون في الدين ويجوز أن يخاصمون في الدنيا. فالجواب ليس كذلك، وإنما قوله في الدين، هذا قيد لبيان الواقع، وليس له مفهوم.