فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 293

1 -الخطأ: بما يؤدي إلى سبق اللسان (أي: انتفاء القصد) فينطق بالكفر وهو لا يقصد ولا يريد القول أو العمل المكفر نفسه، بل يقصد شيئًا غيره، وهذا العارض أو المانع يبطل ما يقابله من شرط العمد، ودليله قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) [الأحزاب: 5] ، ويدل عليه أيضًا حديث الرجل الذي أضل راحلته في أرض قفر، فلما وجدها قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) (أخطأ من شدة الفرح) كما قال صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين - وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) [مجموع الفتاوي: 12: ص 250] ، ويتبع هذا المانع (إنتفاء القصد) قول الكفر على سبيل الحكاية عن الغير:

-كمن يقرأ كلام الكفار الذي قصه الله تعالى في كتابه، وقد أمر الله بتلاوة كتابه، فلا يكفر قارئ ذلك قطعا بل يؤجر.

-وكنقل الشاهد ما سمعه من كفر للقاضي أو غيره.

-وكنقل مقالات الكفار لبيان ما فيها من الفساد أو للرد عليها، فكل ذلك جائز أو واجب لا يكفر قائله، ولهذا يقال: (ناقل الكفر ليس بكافر) بخلاف من حكاه ونقله على سبيل النشر أو الإشاعة على سبيل الإستحسان والتأييد فهذا كفر لا ريب.

-ومن ذلك أيضًا أن يتكلم الإنسان بكلام أو ينطق لفظًا لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بذلك حتى يعرف فيتكلم به قاصدًا بمعناه بعد قيام الحجة.

تنبيه:

ومن هذا تعرف أننا لا نعني بانتفاء القصد كمانع ما يشترطه كثير من مرجئة العصر كشرط تعجيزي للتكفير، يعتذرون به لكل طاغوت وزنديق ومرتد، وهي دعوى ان الإنسان لا يكفر حتى وإن اتى فعلًا أو قولًا مكفرًا - عامدًا - حتى ينوي ويقصد بذلك الخروج من الدين والكفر به، وإنما نعني بمانع انتفاء القصد؛ (الخطأ) الذي يقابل العمد في شروط التكفير، أو عدم إرادة الفعل أو القول المكفر نفسه، وإرادة شيء آخر غيره، كحكايته والتحذير منه، أو يقوله وهو لا يعرف مدلوله ونحو ذلك مما تقدم.

أما إرادة الخروج من الدين، والكفر بذلك الفعل أو القول، فقّل من يريده أو يصرح به أو يقصده، حتى اليهود والنصارى، لو سئلوا؛ هل يريدون الكفر ويقصدونه بقولهم إن المسيح أو العزيز ابن الله، أو نحو ذلك من كفرياتهم؟ لأنكروا ذلك ولنفوا إرادتهم للكفر وكذلك حال كثير من الكفار الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فأكثر الطواغيت وأنصارهم اليوم، إذا ما عددنا عليهم كفرياتهم، أنكروا ذلك، وأبوا أن يقروا بالكفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدين، بل يبادرون بتأكيد انهم مسلمون، ويحتجون بأنهم يصلون ويشهدون أن لا إله إلا الله، وكذلك شأن كفار قريش، لم يقروا قط بكفرهم، أو بإرادتهم للكفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: 2] ، وعلى العكس، فقد كانوا يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على دينه بالكفر، فسموه (الصابئ) وهكذا حال أكثر الكفار إلا ما شاء الله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وبالجملة فمن قال وفعل ما هو كفر، كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذا لا يقصد الكفر أحدًا إلا ما شاء الله) [الصارم المسلول: ص 177، 178] ، والخلاصة هنا؛ أن العبرة في اشتراط العمد والقصد وانتفاءه كمانع من موانع التكفير أن يقصد إتيان الفعل المكفر أو القول المكفر، لا أن يقصد الكفر به.

2 -التأويل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت