فهرس الكتاب
والمراد به هنا وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص، أو فهمه فهمًا خاطئًا ظنه حقًا، أو ظن غير الدليل دليلًا، كالاستدلال بحديث ضعيف ظنه صحيحًا، فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرًا، فينتفي بذلك؛ (شرط العمد) ، ويكون الخطأ في التأويل مانعًا من التكفير، فإذا أقيمت الحجة عليه وبين خطؤه فأصر على فعله كفر حينئذ، ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى كما في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) [المائدة: 93] ، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه: (وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضًا أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر: أخطأت التأويل(أخطأت استك الحفرة) ، قال ابن تيمية: (حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا) [الصارم: ص 530] ، ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: (أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك، ولم تشرب الخمر)
فرجع، ولم يكفره بذلك، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) [مجموع الفتاوي: 7: ص 609، 610] ، ويقول أيضًا: (فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا) [مجموع الفتاوي: 3: ص 180] ،
فمذهب السلف عدم تكفير المتأولين من أهل القبلة، وأهل القبلة يدخل فيهم اضافة إلى المسلم السني؛ الفاسق الملي أهل الأهواء أهل التأويل، واعلم أن التأويل حتى يكون معتبرًا لابد فيه من شرطين:
-أن يكون مُستساغ لغةً وشرعًا.
-أن يكون الدليل المُأَوَل نصًا في المسألة.