2)أن يكون جهله بنذارة الرسل عن عجزٍ لا يمكن له دفعه، وهذا يلزمه بأن لا يقصر في بذل جهد يستطيعه لمعرفة دعوة الرسل وما جاءوا به، أما إن كان جهله بنذارة الرسل عن عجز لا يمكن دفعه فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة التي ترفع عنه العجز فيما قد جهل فيه، أما إن كان جهله بدعوة الرسل ونذارتهم ناتج عن تقصير منه، وعن سبب هو يستطيع دفعه وتفاديه، لكنه شحًا بالدنيا وملذاتها لا يكلف نفسه هذا الجهد، فمثل هذا لا يعذر بجهله لنذارة الرسل، وهو مثله مثل من بلغته النذارة فجحدها، وآثر الركون إلى الدنيا عليها، قال تعالى: (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 233] ، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: 286] ، وقال تعالى: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [الأعراف: 42] ، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) [التغابن: 16] ، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7] ، فمن شروط التكليف - أيًَّا كان هذا التكليف -؛ الاستطاعة وانتفاء العجز، فإن انتفت الاستطاعة وتحقق العجز رُفع التكليف بدلالة النصوص، واتفاق جميع أهل العلم، قال ابن حزم: (من بلغه أن محمدًا صلى الله عليه وسلم دعا إلى أشياء ذكر أن ربه تعالى أمره بها، فواجب عليه حيث ما كان البحث عما دعا إليه، فإذا أخبره مخبر بأنه عليه السلام أخبر بأنه رسول لزمه الإقرار، فإن لم يفعل فقد حقت عليه كلمة العذاب ولا عذر بشيء من أشغال الدنيا لمن بلغه ذلك في اشتغاله عن البحث) [الأصول والفروع: ص 131، 132] .