فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 293

أهل الفترة قسمان:

1 -قسم؛ تأتي فترتهم من جهة انقطاع الرسل، وطول الفترة بينهم وبين من أرسل إلى من قبلهم، ولكن بلغتهم نذارة الرسل، وهؤلاء - رغم انقطاع الرسل عنهم - لا يعذرون بالجهل، وهم محجوجون بنذارة الرسل الذين أرسلوا إلى من قبلهم.

2 -وقسم آخر؛ تأتي فترتهم من جهة عدم بلوغ نذارة الرسل إليهم، ومن جهة انقطاع النذارة عنهم، وهؤلاء هم الذين يعذرون بالجهل، وإن لم يكن بينهم وبين إرسال الرسل فترة طويلة، فالعبرة في اعتبار أهل الفترة المعذورين عدم بلوغ نذارة الرسل وليس طول الفترة بين الرسول والرسول، أو بينهم وبين إرسال الرسول.

لاشك أن من كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، يعتبر من أهل الفترة، بدليل قوله تعالى: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: 3] ، والمراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام - قاله ابن عباس ومقاتل [تفسير الطبري: 14: ص 85] ، لكن هل كانوا من أهل الفترة المعذورين لعدم بلوغ نذارة الرسل إليهم، أم أنهم كانوا من أهل الفترة من جهة انقطاع الرسل عنهم مع بلوغ النذارة إليهم؟

نقول: الراجح الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، أن فترتهم كنت من جهة انقطاع الرسل، وليس من جهة انقطاع وانعدام نذارة الرسل، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103] ، في قوله: (وكنتم على شفا حفرة من النار) ، قال ابن عباس: (أي وكنتم على طرف حفرة من جهنم إذ لم يكن بينكم وبينها إلا الموت، {فأنقذكم منها} ، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم) [روح المعاني للألوسي: 4: ص 20] ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فضَّل الله قريشًا بسبع خصال، فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين، لا يعبد الله إلا قريش، وفضلهم بأنهم نصرهم يوم الفيل وهم مشركون ... ) [صحيح الجامع الصغير: 4208] ، دل أن قريشًا كانت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على الشرك المستوجب للنار، كما دل أن الفترة التي ظهر فيها الإسلام في مكة - وهي الفترة المكية - لم يكن على وجه الأرض من يعبد الله على الوجه الصحيح، غير قريش، ممن آمن منهم واتبع النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث القدسي كما في صحيح مسلم: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ... ) ، والبقايا من أهل الكتاب هم الذين كانوا على التوحيد، وحافظوا على دينهم الحق ولم ينحرفوا مع المنحرفين عن جادة التوحيد، وقوله: (فمقتهم عربهم وعجمهم) ، دليل أنهم كانوا مشركين الشرك الذي يستوجب المقت والعذاب، وليسوا من أهل الفترة المعذورين، وفي الصحيح أيضًا، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: (يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟) ، قال: (لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ، فكون ذلك لا ينفع ابن جدعان، لأنه لم يقل في حياته قط: (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ، دل على أمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت