فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 293

1 -أنه وقومه ليسوا من أهل الفترة المعذورين، وإن كانوا من أهل الفترة من جهة انقطاع الرسل عنهم.

2 -ثانيًا: أن حجة ونذارة الرسل قبل نبينا صلى الله عليه وسلم - وبخاصة إبراهيم عليه السلام - قد بلغته؛ لأن هذه الكلمات التي ألزمه بها النبي صلى الله عليه وسلم وعلل عذابه بسبب أنه لم يقلها لا يمكن لابن جدعان أن يعرفها إلا عن طريق الرسل، ولما افترض فيه أنه كان ينبغي أن يقول تلك الكلمات وأمثالها، لكنه أبى وأعرض واستكبر، فحق عليه العذاب بسبب ذلك، واعلم أن قولنا أن من كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار لا يعتبرون من أهل الفترة المعذورين، وأنهم محجوجون بنذارة من تقدم من الرسل، لا يستلزم انتفاء وجود من يعتبر من أهل الفترة المعذورين من جهة عدم وصول نذارة الرسل إليهم، قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن نسلم على العموم لا التعيين، أن كل من بذل جهده المستطاع لمعرفة دعوة الرسل، لكنه لم يتمكن من ذلك، فهو معذور بالجهل، ويعتبر من أهل الفترة المعذورين، لكن تعيين أشخاص بأعيانهم - من دون نص - على أنهم من أهل الفترة المعذورين، لا ينبغي لأحد أن يخوض فيه، فالله وحده أعلم بمن قامت عليه حجة الرسل ممن لم تقم عليه من أهل الفترات، والسنة قد دلت على وجود أفراد من أهل الفترة المعذورين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقد تجنبوا عبادة الأوثان، وكانوا حريصين على معرفة الحق، منهم ورقة بن نوفل، كما في الحديث الذي ترويه عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة وجنتين) [صحيح الجامع الصغير: 7320] ، ومنهم قس بن ساعدة من إياد بن معد، كان حكيم العرب، وكان مقرًا بالبعث، وهو الذي يقول: (من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت) ، وقد وفد من إياد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عنه، فقالوا: هلك، فقال: (رحمه الله) [مختصر السيرة للشيخ عبد الله بن محمد عبد الوهاب، باب أهل الفترة] .

قد يرد السؤال: هل يوجد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من له حكم أهل الفترات من حيث العذر وغير ذلك؟

نقول: ذكرنا سابقًا أن العلة التي لأجلها يعذر أهل الفترة بالجهل، هي عدم تمكنهم من معرفة دعوة الرسل وعدم بلوغها إليهم، وعليه فإن أي إنسان توفرت فيه هذه العلة، بحيث لا يستطيع - رغم بذل الجهد المستطاع - معرفة دعوة الرسل، ولم تبلغه نذارتهم، فهو معذور بالجهل، وله حكم أهل الفترة المعذورين بالفترة والجهل، سواء كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد بعثته، ولا عبرة لزمن دون زمن في حال وجدت هذه العلة. ثم إذا كان أهل الفترة قبل النبوة وبعدها، كلاهما لا يستطيعان - من غير الحجة الرسالية - دفع ما هم فيه من جهل وعجز، فكيف يعذر من كان قبل النبوة والبعثة ولا يعذر من كان بعدها، والعلة بينهما مشتركة وواحدة، وهي الجهل والعجز؟!، مع ما كنا قد بيناه بأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن العجز يرفع التكليف، في أي زمان وأي مكان، ومن يفرق - من حيث وجوب العذر - بين أهل الفترة قبل النبوة وأهل الفترة بعد النبوة والبعثة، مطالب بالدليل وأنَّى!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت