فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 293

المسألة التاسعة: المسلم الجاهل والحالات التي يُعذر فيها بالجهل:-

ليس كل ما قيل في الكافر الجاهل يصح أن يقال في المسلم الجاهل، لاختلاف صفة وحال كل منهما عن الآخر؛ فالأول كافر جاهل بالتوحيد ولم يسمع بدين الرسل قط، والآخر موحد ناطق لشهادة التوحيد مؤمن بما جاءت به الرسل ولو على وجه الإجمال، وعليه لا يصح أن نحمل أحاديث أهل الفترة التي قيلت بخصوص الكافر الجاهل الذي لم يسمع بدعوة الرسل قط، على المسلم الذي أقر بالتوحيد وبالرسالة، وسمع بدعوة الأنبياء والرسل، لذا فحديثنا عن المسلم الجاهل، والحالات التي يعذر فيها بالجهل يختلف بعض الشيء عما قلناه في الكافر الجاهل.

الحالات التي يعذر بها المسلم بالجهل:

1 -حداثة عهده بالكفر: فمن كان حديث عهد بكفر فهو حديث عهد بإسلام، وبالتالي من كان كذلك فهو لا يستطيع أن يعلم في الأيام الأولى من إسلامه جميع ما أمر به الإسلام أو نهى عنه، ومن انتفت عنه الاستطاعة يرفع عنه التكليف إلى حين وجود الاستطاعة - كما تقدم - ومن كان كذلك لو وقع في ناقضة من نواقص الإسلام بسبب جهله بالخطاب الشرعي، فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة من جهة نذارة الرسل، كما قال تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ، فإن جحد الحجة بعد بلوغها إليه، حينئذٍ يحكم عليه بالكفر والردة، أما قبل قيام الحجة الشرعية عليه لا يجوز الإقدام على تكفيره، أو تكفير من كانت هذه صفته، وإن كان فعله كفرًا، كما في الحديث عن أبي واقد الليثي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها(ذات أنواط) ، يعقلون عليها أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله هذا كما قال قوم موسى (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) ، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم) [صحيح سنن الترمذي] ، وفي رواية: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وكانوا أسلموا يوم قتح مكة، قال: فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى:(اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) ، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم)، فقوله: (كانوا أسلموا يوم فتح مكة) ؛ يفيد أن الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (اجعل لنا ذات أنواط ... ) ، لم يمض على إسلامهم سوى أيام معدودات لأن فتح مكة كان في رمضان لثلاث عشرة ليلة بقين منه، وكان غزو النبي صلى الله عليه وسلم لهوازن يوم حنين بعد الفتح في الخامس من شوال، أي أن بين فتح مكة وغزوة حنين خمسة عشر يومًا فقط - على الراجح من أقوال السلف والمؤرخين - وكان إسلام هؤلاء بين وخلال هذه الأيام فقط، ومن كان كذلك لا يُستبعد عنه أن يصدر منه تلك المقولة التي قالوها للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذات أنواط بدافع الجهل لحداثة عهدهم بالكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت