فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 293

2 -وجوده في منطقة نائية يتعذر وصول العلم إليها: مما يعذر به المسلم بالجهل كذلك وجوده في منطقة نائية عن العلم، فلا العلم يصله ولا هو يستطيع أن يرحل إلى أماكن وجود العلم الشرعي لطلبه، ومثل هذا لو وقع في الكفر - وهو يجهل أن فعله كفر مخالف للشريعة - فإنه يعذر بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة النبوية من جهة نذارة الرسل، ويبلغه الخطاب الشرعي فيما قد خالف فيه، أما إن كان يستطيع أن يرحل إلى الأماكن التي تتوفر فيها العلوم الشرعية وحلقات طلب العلم - ولم يوجد عائق معتبر شرعًا يكرهه على البقاء أو يخافه على نفسه وأهله - ومع ذلك لا يفعل ولا يتحرك له ساكن إيثارًا للدنيا ومتاعها، ومشاغلها، حيث تراه لا يهتم لحال كونه جاهلًا، بل الجهل والعلم عنده سيان!، ومن كان كذلك لا يعذره جهله - وإن كان مقيمًا في منطقة نائية عن طلب العلم - لتوفر الاستطاعة والمقدرة عنده على دفع جهله وعلى طلب العلم، والمرء - كما ذكرنا آنفًا - مطالب أن يتحرك نحو دينه وعبادة ربه قدر استطاعته، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) [التغابن: 16] ، وقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286] ، فتقصيره فيما يجب عليه وهو يستطيعه، لا يعذر بتركه أو جهله، وهو محاسب عليه، وقال تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: 56] ، فهذا نص في أن حركة الإنسان في الأرض يجب أن تراعي الغاية الأساسية من وجوده، وهي عبادة الله وحده، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] ، وعليه فأي بقعة من الأرض تتحقق فيها سلامة العباد والدين أكثر من غيرها من الأماكن، وجب على المسلم أن يشد إليها الرحال ويتخذها لنفسه وأهله مسكنًا وموطنًا، وبخاصة في الأزمنة التي تتفشى فيها الفتن، ويكثر الهرج، وتنتهك فيها حرمات الدين من دون خوف أو وجل من الله تعالى، وفي هذا يقول ابن حزم رحمه الله: (من بلغه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، ثم لا يجد في بلاده من يخبر عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق، ولولا إخباره صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، ولكنا قد أمنا والحمد لله، وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه، ففرض على جميعهم، من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيهًا يعلمهم دينهم أو أن يُرحلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم) [الأحكام: 5: ص 112] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت