فهرس الكتاب
3 -حجة الميثاق: من حجج الله عز وجل على عباده التي يحاجهم بها يوم القيامة، حجة الميثاق الذي أخذه عليهم وهم في أصلاب آبائهم، وأشهدهم على أنفسهم على وحدانية الله تعالى وربوبيته، وقطع به أعذارهم، وحذرهم من الغفلة في الدنيا عن هذا الميثاق ومن أن لا يفوا به، أو أن يعتذروا يوم القيامة بتقليد الآباء والأسلاف على الضلال ومقارفة الشرك، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) [الأعراف: 173، 174] ، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بـ"نعمان"- يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا قال:(ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) ) [رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 1623] ، وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الحديد: 8] ، لكن هل يترتب عذابهم يوم القيامة على مخالفة حجة الميثاق، قبل - ومن دون - قيام حجة الرسل عليهم؟
نقول: الراجح - والله تعالى أعلم - أن هذا الميثاق رغم أنه حجة على العباد يحاجون به يوم القيامة، إلا أن مخالفته - منفردًا - قبل قيام حجة الرسل لا تستوجب العذاب، فالعذاب - كما دلت على ذلك النصوص، وكما تقدم بيانه - لا يكون إلا بعد قيام الحجة من جهة نذارة الرسل، ومقابلتها بالرد والجحود، وقوله تعالى لأهون أهل النار عذابا: (قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك فيؤمر به إلى النار) ، لا يفهم منه أن أهون أهل النار عذابًا أمر به، إلى النار لمجرد مخالفته لحجة الميثاق قيل أو من دون قيام حجة الرسل عليه، وبخاصة أن أهون أهل النار عذابًا هو"أبو طالب"كما في"صحيح مسلم": (أهون أهل النار عذابًا أبو طالب) ، ومعلوم لدينا بما لا يدع مجالًا للشك أن أبا طالب قد بلغته نذارة الرسل وحجتهم، وقد أقامها عليه شخص الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، فأبى إلا الموت على الشرك، ورفض أن يقول"لا إله إلا الله"!، ثم إذا كان أهون أهل النار عذابًا قد ثبت بالدليل أنه قد بلغته نذارة الرسل وأقيمت عليه الحجة النبوية، فمن باب أولى أن تكون نذارة الرسل قد بلغت من كان أشد منه عذابًا يوم القيامة.