فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 293

4 -حجة الفطرة: وكذلك الفطرة، فهي حجة من حجج الله تعالى على عباده؛ حيث ما من مولود إلا ويولد على الملة وفطرة الإسلام والإيمان بالله عز وجل كما يفطر على إلهام التنفس والتقام ثديي أمه منذ اللحظات الأولى من حياته، ثم إن طرأ عليه الشرك والكفر فيما بعد فهو بفعل عوامل التضليل المكتسبة من الآباء والزعماء وغيرهم من أئمة الضلال والشرك، قال الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30] ، وفي الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يهودانه أو ينصرانه أم يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) ، ثم يقول أبو هريرة: (واقرءوا إن شئتم:(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) ) ، قال ابن كثير في التفسير: (يقول تعالى؛ فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، وفي قوله:(لا تبديل لخلق الله) ، قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: أي لدين الله، وقال البخاري: قوله: (لا تبديل لخلق الله) : لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام) [تفسير ابن كثير: 3: ص 442] ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) [صحيح مسلم] ، وقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء) ، قال النووي في"الشرح": (أي مسلمين) [ثرح صحيح مسلم للنووي: 17: ص 197] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الملة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويشركانه) [صحيح الجامع الصغير: 4560] ، وقال: (ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟! ألا إن خياركم أبناء المشركين ألا لا تقتلوا ذرية، كل نسمة تولد على الفطرة فما يزال عليها حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها) [رواه أحمد والنسائي: صحيح الجامع الصغير: 5571] ، فقوله: (خياركم أبناء المشركين) ؛ فيه أنهم لم يزالوا على الإيمان الذي فطروا عليه، وهم خيار المسلمين يومئذٍ لأنهم لم تكتب عليهم سيئة بعد، لارتفاع القلم عن الصبي حتى يبلغ الحلم، كما في الحديث: (رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم) [صحيح الجامع الصغير: 3512] ، لكن هل يحاسب العباد على مخالفتهم لحجة الفطرة من دون أن تقوم عليهم حجة الرسل؟

نقول: رغم أن الحجة تقوم على العباد بحجة الميثاق، والفطرة التي فطروا عليها، والآيات العظام التي أودعها الله عز وجل في الكون والنفس البشرية الدالة على وحدانيته سبحانه وتعالى، إلا أن رحمة الله سبحانه وتعالى قضت أن لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام حجة الرسل عليه وبلوغ نذارتهم إليه، كما بينا ذلك من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت