فهرس الكتاب
مقيمون خطأ في غيهم) [جامع البيان: 7: ص 280 و 286] ، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46] ، فهم إذ يرون آيات الله بأبصارهم المجردة عن نظر القلوب والعقول، لا يهتدون إلى حقيقة ما تدل عليه من عظمة الخالق وأنه لا إله إلا هو، ولو نظروا إليها بقلوبهم وعقولهم لأوصلتهم تلك الآيات إلى الإيمان بالله عز وجل، لأن نظر القلوب والعقول ينفذ إلى معرفة حقيقة الأشياء ومدلولاتها والغاية من وجودها، بعكس نظر الأعين المجرد عن نظر القلوب فهي لا ترى سوى ظاهر الأشياء دون معرفة مدلولاتها وحقيقة ما تهدي إليه، قال ابن كثير في التفسير: (أي ليس العمى عمى البصر وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر) [تفسير ابن كثير: 3: ص 238] ، وفي الحديث الذي يرويه مسلم وغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقال له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربَع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني) ، فيه أن الآيات والنعم المسخرات للإنسان في الأرض هي من جملة الحجج التي يحاج بها العبد يوم القيامة زياد وإمعانًا في قيام الحجة عليه، وإمعانًا في إبطال أعذاره، وإن كان يكفي لاستحقاقه العذاب مجرد مخالفته لحجة الرسل ونذارتهم، وحجة الآيات التي أودعها الله سبحانه في الكون وفي أنفسنا تدفع بعض الجهل لا كله، وهي لا تغني عن الرسل، إذ لا يدفع الجهل مطلقا سوى حجة الرسل، كما قال تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ، لذلك قضت حكمة الله تعالى - رغم قيام الحجة على العباد من غير جهة الرسل - أن لا يعذب أحدًا من عباده إلا بعد قيام الحجة عليه من جهة الرسل، وبعد بلوغ نذارتهم إليه [العذر بالجهل وقيام الحجة لأبي بصير: ص 62 - 76 بتصرف] .