فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 293

أولًا: القَدْر الذي تقوم به الحجة على الكافر الجاهل: نقول: هو الحد الذي به يندفع جهل الكافر بنذارة الرسل، ويحقق عنده العلم بحجة ونذارة الرسل، فحيثما يتمكن من العلم - على وجه الإجمال - بدعوة الرسل، والغاية التي أرسلوا لأجلها، فقد أقيمت عليه الحجة، ورُفع عنه العذر بالجهل، وهو محاسب على ما يقع فيه من تقصير وتفريط، فلو بلغه من العلم - عن أي طريق - أن محمدًا بن عبد الله هو رسول الله للعالمين، قد أرسله الله تعالى بالتوحيد ونبذ الشرك والتنديد، لكفى بهذا القدر لقيام الحجة عليه من جهة نذارة الرسل، كما في الحديث الذي يرويه مسلم بسنده عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار) ، فدل الحديث على أن من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم - مجرد سماع - بأنه رسول الله للعالمين، وبدعوته إلى التوحيد التي جاء بها من عند ربه، ثم لم يؤمن به وبما جاء به، إلا حق عليه العذاب، وكان من أصحاب النار، قال ابن حزم: (فإنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به على من سمع بأمره صلى الله عليه وسلم، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق، وجزائر البحور، والمغرب، وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره صلى الله عليه وسلم ففُرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به، أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه وسلم فإن كان موحدًا فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان، لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار، فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك) [الإحكام: 5: ص 111] ، وقال ابن تيميه - رحمه الله: (والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفى الرسول عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل) [مجموع الفتاوي: 20: 59، 60] ، نقول: ولكن من تمكن من العلم بدعوة الرسل وعجز عن العمل به، وجب عليه الإيمان والتصديق بما علم - لأنه عمل قلبي لا سلطان لمخلوق عليه يمنعه - وسقط عنه العمل به إلى حين تمكنه من العمل بما علم؛ فيسقط المعسور ويبقى الميسور، وتقصير المرء بالميسور وفيما يستطيع إتيانه والقيام به لا يعتبر عذرًا لتوفر الاستطاعة والمقدرة على الإتيان به، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن: 16] ، وقال: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [البقرة: 286] ، والقاعدة الفقهية تقول: (الميسور لا يسقط بالمعسور) ، ومثال من آمن وصدق ولم يتمكن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت