فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 293

ليس من شروط قيام الحجة فقهها أو التزامها، إذ يكفي لقيام الحجة على المحجوج أن تصله بلغة يفهم مدلولات الخطاب وما يراد منه، سواء عقل الخطاب وفقهه والتزمه أو أنه لم يعقله ولم يفقهه، إذ يوجد فرق بين فهم الخطاب وبين فقه والتزام الخطاب، حيث أن الكافر - الذي كتب الله عليه العمى - وإن كان له قلب، وسمع وبصر إلا أنه لا يستفد منها في معرفة وفقه حجج الله عليه، فهو إن مر عليها يمر كالأصم الأبكم الذي لا يعقل شيئًا، فهو وإن كان له قلب إلا أنه مقفل لا يفقه من الحق شيئًا، وكذلك بصره فإن عليه غشاوة الباطل لا يبصر فيه من الحق شيئًا، فهو لو رأى يرى ظاهر الأشياء من دون أن يهتدي إلى حقيقتها والغاية منها، وكذلك سمعه فهو إن سمع يسمع أصواتًا وحروفًا يفهم مدلولاتها اللغوية، من دون أن يفقه ما يُراد منها، وما يجب عليه نحوها، كالأنعام بل أضل سبيلًا، ومن كان كذلك لا يصح أن يقال أن الحجة لم تقم عليه، وهو معذور بالجهل إلى أن يفقه حقيقة الخطاب وحقيقة ما يراد منه من قيام حجج الله البيانات عليه، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا) [الأنعام: 25] ، قال ابن جرير في التفسير: (يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره ولا يصغي له سمعه ليتفقه، فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك، إنما يسمع صوتك وقراءتك وكلامك ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه أكنه - أغطية - وجعل في آذانهم ثقلًا وصممًا عن فهم ما تتلوا عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه، وعن قتادة قال: يسمعون بآذانهم ولا يعون منه شيئًا كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها) [جامع البان: 7: ص 169، 170] ، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39] ، وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت