فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 293

أحدهما: أن نواقض الإيمان لا يندفع حكم الردة عن الواقع فيها بعلم - إلا عن المكره - أما من اقترفها لانه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فليس هذا بعذر يرفع عنه حكم الردة، وسبحان الله، أليس حب الدنيا هو أعظم ما دعا الكفار إلى كفرهم كما تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون، لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) [النحل: 107 - 109] ؟، وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، و يمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا و يصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) .

الأمر الثاني: أن من أتى بناقض عملي، يحكم بكفره بعد البيان، ويشترط البيان إن كان مثله يعذر بجهله في غير الأمور الجلية، ولا يقال؛ إنه لا يكفر إلا إذا علمنا موافقة باطنه لظاهره، بل هذا لا يقوله إلا المرجئة، بل حتى المتقدمين منهم يقولون؛ من فعل ما لا يكون إلا كفرا في الظاهر نحكم بكفره ظاهرا لأننا أمرنا شرعًا بالعمل بالظاهر والله يتولى السرائر، فإن كان باطنه بخلاف ظاهره فهو مؤمن عند الله، وإنما قال بعض مرجئة العصر، لا يحكم بكفر من أتى بناقض إلا بعد أن يعرف أن باطنه يوافق ظاهره!!، فليت شعري، ماذا نصنع إن لم يكن ثمة سبيل إلى معرفة باطنه، فما فائدة هذا الشرط إذا؟، وأخرى هي أدهى وأمر؛ ماذا لو والى الكفار، وظاهرهم وأعانهم على نقض دين الإسلام عروة عروة؟ وهو مع ذلك يزعم بلسانه أنه مؤمن بديننا بقلبه، فما يغني عنا لسانه وهو يهدم الدين بفعله، وهل يزيد قول لسانه جريمة فعله غير شناعة وهل يزيد الامر غير تتبيب؟!، فلا جرم لم يذكر الفقهاء هذا الشرط - أعني اشتراط العلم بموافقة الباطن للظاهر - عند ذكر ما يصير به المسلم مرتدًا من الأفعال، لأنه لامعنى لذكره، ولا يجري اشتراطه إذا كان الفعل ردة في حد ذاته على فقه الشريعة البتة، إذ المقصود بالحكم بالردة على فاعله منع نفس الفعل، ولا يخفى أنه يمكن لكل مرتد أن يزعم بلسانه أن باطنه مخالف لظاهر فعله، ثم يفعل ما يشاء من أفعال الردة، فيطوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الباب، ولهذا يحكم الفقهاء بردة من أتى بفعل لايصدر إلا من كافر في الظاهر، كما يقول القاضي عياض رحمه الله: (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك كالسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم، ومن شد الزنانير) [الشفاء: 2: ص 1072، 1073] ، ومعلوم أن مقتضى نصوص الكتاب والسنة القطعية الثبوت والدلالة أن من يتولى الكافرين ويظاهرهم على المؤمنين أنه ناقض لايمانه مرتد كافر، ونذكر فيما يلي نقولا عن أئمة الدعوة تزيد ما ذكرناه وضوحًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت