فهرس الكتاب
تقدَّم آنفًا انعقاد الإجماع على أن دار الكفر تصير دار إسلام عندما يفتحها المسلمون ويُظهرون أحكام الإسلام فيها أي أنها بمجرد جريان أحكام الإسلام تصير دار إسلام.
ولكن: الدار التي فتحها المسلمون في يوم من الأيام وصارت دار إسلام هل تتحول وتصير دار كفر؟.
صورة المسألة على أوجه:
••الوجه الأول: إذا تغلّب الكفار على بلدة من بلاد الإسلام وسيطروا عليها وأجروا أحكامهم فيها.
كحال الأندلس بعد سيطرة الصليبين عليها وإجراء أحكامهم فيها والتي تحكمها الآن دولتان (أسبانيا، البرتغال) وكحال الأرض المباركة وسواحل الشام بعد سيطرة الفرنجة قديمًا عليها وسيطرة يهود اليوم عليها.
••الوجه الثاني: ارتداد أهل بلدة من بلاد المسلمين عن الإسلام وامتناعهم فيها وتغلبهم عليها وإجراء أحكامهم فيها.
كدار مسيلمة الكذاب والأسود العنسي.
••الوجه الثالث: قيام طائفة ممتنعة محددة بالتغلب على مدينة أو قرية أو ناحية وإجراء أحكامهم فيها وقهر وإذلال المسلمين.
كحال أنظمة الكفر والردة اليوم في غالب الدول التي كانت بالأمس دارًا للإسلام.
••الوجه الرابع: نقض أهل الذمة لعهودهم وتغلبهم على البلد التي يسكنونها وإجراء أحكامهم فيها.
جاء في الفتاوى الهندية: (وإذا نقض أهل الذمة العهد , وغلبوا على دارهم أو على دار من ديار المسلمين , وصارت الدار دار حرب بالاتفاق , ثم ظهر عليهم المسلمون وثبت الخيار فيهم للإمام , فإن شاء مَنَّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم , ووضع على أراضيهم الخراج , وإن شاء وضع العشر , وهذا تسمية وفي الحقيقة خراج , ولهذا يصرف هذا العشر مصرف الخراج , وإن شاء جعل عليها العشر مضاعفا كما فعل عمر رضي الله عنه ببني تغلب وإن قتل الرجال وقسم النساء والذراري والأموال , وبقيت الأراضي بلا ملاك , فنقل إليها قومًا من المسلمين ليكونوا ردءا للمسلمين , وجعل الأراضي لهم ليؤدوا المؤنة عنها جاز ولكن يفعل برضا أولئك الذين يريد الإمام نقلهم إليها وإذا نقل إليها قوما من المسلمين , وصارت الأراضي مملوكة لهم جعل عليها العشر إن شاء , وإن شاء جعل عليها الخراج , ولو أن قومًا من المسلمين ارتدوا , وغلبوا على دارهم أو على دار من ديار المسلمين , وصارت دارهم دار حرب بالاتفاق , ثم ظهر عليهم المسلمون , فإنه لا يقبل من رجالهم إلا السيف أو الإسلام , فإن أبوا أن يسلموا قتلوا) [الفتاوى الهندية: 2: ص 205] ، فجماهير الفقهاء وكبار أصحاب أبي حنيفة وتلامذته على أن دار الإسلام تصير دار كفرٍ بشرط واحد وهو ظهور أحكام الكفر فيها وذلك لا يتم إلا بقوة وغلبة الكافرين.
إذا تغلب الكفار على دار الإسلام و بقيت أحكام الإسلام هي الجارية في الدار:
وقع في التاريخ أن الكفار تغلبوا على دار الإسلام وأبقوا أحكام الإسلام جاريةً فيها وهذا يسمى الاستيلاء الناقص فهل تُسمى الدار حينئذٍ دار كفر أو إسلام؟.
قال عبد القادر عبد العزيز - فك الله أسره - [الجامع في طلب العلم الشريف: 2: ص 647 - 649] : (الاستيلاء الناقص: وهو ما إذا تغلَّب الكفار على دار إسلام ولكن بقيت أحكام الإسلام هي الجارية في الدار.
ومن أمثلة هذا: استيلاء التتار على الشام في أواخر القرن السابع الهجري، فالثابت تاريخيًا أنهم أقروا القضاة على الحكم بالشريعة بين المسلمين مع تكفير العلماء للتتار لحكمهم فيما بينهم بقانون كبيرهم جنكيز خان (الياسق) ؛ فالمنقول عن فقهاء ذلك العصر أن الدار لا تصير دار كفر بهذا مادامت أحكام الشريعة قائمة.