فهرس الكتاب
والحق أنه إذا استولى الكفار على دار الإسلام وظلت أحكام الإسلام قائمة، فإنه يجب التفريق بين ما إذا كانت قائمة بسبب شوكة المسلمين أم بسبب إذن الكفار بذلك.
فإذا ظلت أحكام الإسلام جارية بسبب شوكة المسلمين فهي دار إسلام، وهى الصورة السابقة التي حدثت في بلاد الشام مع استيلاء التتار، ولا يحدث هذا إلا مداهنة من الكافر المتغلب حتى لا يستفز المسلمين إذا أبطل أحكام الإسلام، ولا يداهن الكافر إلا مع عدم قدرته على تمام الغلبة والاستيلاء، وكان هذا هو الوضع بالشام فقد كانت الحرب سجالًا بين التتار وبين أهل الشام ومصر وحضر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض هذه الحروب، ومع عدم تمام الغلبة ومع جريان أحكام الإسلام تبقى الدار دار إسلام، وإن كان السلطان كافرًا، كما أن دار الإسلام تظل كما هي إذا ارتد حاكمها المسلم ولم يغير شيئًا من الأحكام، وفي كلا الحالين يجب على المسلمين قتال السلطان الكافر (المتغلب أو المرتد) لخلعه ونصب إمام مسلم، وقتاله فرض عين لأنه جهاد دفع.
أما إذا ظلت أحكام الإسلام جارية في الدار مع استيلاء الكفار لكونها مأذونًا بها من الكافر المتغلب لا بسبب شوكة المسلمين، فهي دار كفر، لأن لو أراد أن يبطلها لأبطلها، وهذه الصورة وقعت بالأندلس في بداية استيلاء الأسبان عليها كما ذكر محمد بن جعفر الكتاني في كتابه [نصيحة أهل الإسلام: ص 102، 103] قال: (شروط معاهدة تسليم أهل الأندلس للأسبان: وانظر فإنهم لما ضيقوا على أهل الأندلس، وضَعُفَ أهل الأندلس عنهم بعد حروب كثيرة وحصار عظيم، طاع أهل الأندلس بالدخول تحت أيالتهم وحكمهم بشروط اشترطوها عليهم وهى نحو من خمسة وخمسين وقيل سبعة وستين، منها تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال، وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وعقارهم، وإقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم عليهم أحد إلا بها، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك) - إلى أن قال - (فلما رأوا - دمّرهم الله - أن الأمر قد تم لهم وأن المسلمين قد دخلوا تحت عقد ذمتهم وأنهم تمكنوا منهم، بدأ غدرهم، وأخذوا في نقض تلك الشروط التي اشترطها عليهم المسلمون أول مرة شرطًا شرطا وفصلًا فصلا، إلى أن نقضوا جميعها وزالت حرمة المسلمين بالكلية وأدركهم الهوان العظيم والذلة الكثيرة) - إلى قوله - (ثم حملوا جميع المسلمين على التنصر والدخول في دينهم وترك شعائر الإسلام كلها بالمرة) .