فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 293

مرت في التاريخ فترات من الزمن كانت الأرض فيها كلها دار كفرٍ تعلوها أحكام الكفر والشرك والقوة فيها والغلبة للكافرين كالفترة التي كانت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فمكة كانت دار كفر والمدينة النبوية قبل أن تصير دار هجرة وإسلام كانت دار كفر وبقية الأقطار الأخرى كانت بأيدي الكافرين (الروم وفارس .. ) فقد أخرج أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان) ، وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير ... وفيه: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ، قال ابن كثير - رحمه الله: (فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء) [تفسير ابن كثير: 2: ص 37] ، وقال ابن كثير - رحمه الله: (فبعثه الله سبحانه وتعالى - أي محمدًا - وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل فقد اشتدت الحاجة إليه وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب أي نزرًا يسيرًا مما بعث الله به عيسى ابن مريم عليه السلام ولهذا قال تعالى:(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: 2] ، وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى حاكمٌ فاصل لجميع الشبهات والشكوك الريب في الأصول والفروع وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحدًا من الأولين ولا يعطيه أحدًا من الآخرين فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين) [تفسير ابن كثير: 4: ص 364] ، وقال ابن جرير - رحمه الله: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين يعني إن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته لفي ضلال مبين يقول في جهالة جهلاء وفي حيرة عن الهدى عمياء لا يعرفون حقًا ولا يبطلون باطلًا) [تفسير الطبري: 4: ص 163] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت