فهرس الكتاب
كذلك في هذه الأيام من يجهز من المسلمين في أفغانستان إلى معسكر الأمريكان ويكثر سوادهم، وينصرهم، ويظاهرهم على المجاهدين المسلمين، فإنه كافر مرتد، حلال الدم والمال .. ولا ينبغي التردد في ذلك، قال ابن حزم: (وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويُبين هذا حديثه صلى الله عليه وسلم:(أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) ، وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ، فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم) [المحلى: 12: ص 125] ، فمن آثر الحياة الدنيا وزينتها، وقدمها على الهجرة الواجبة إلى الله وإلى رسوله، وعلى الجهاد في سبيل الله .. فقد حق عليه قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: 24] ، وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة: 165] .
2 -هجرة مندوبة:
وذلك عندما يستطيع المسلم أن يُظهر دينه في بلد إقامته، ويقوم بالواجبات الدينية التي فرضها عليه ربه عز وجل، ويضمن أن لا يُكره على مظاهرة المشركين في قتالهم ضد المسلمين، فحينئذٍ تكون الهجرة بحقه مندوبة مستحبة غير واجبة، أما أنها مندوبة مستحبة فهو للعمل بالنصوص الشرعية العديدة التي تحض على الهجرة وترغب بها، وقد تقدم ذكر بعضها، أما أنها غير واجبة فهي للأحاديث العديدة التي تصرف حكم الوجوب عمن اتصف بما تقدم ذكره، وإليك بعض هذه الأحاديث:
عن عبد الله بن عمرو: أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبوي يبكيان. قال: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) [صحيح سنن النسائي: 3881] ، وهذا يُحمل على الهجرة المندوبة، وعلى اعتبار أن السائل يستطيع أن يُظهر دينه ويقوم بالواجبات الدينية، - والله تعالى أعلم -، وعن أبي سعيد الخدري: أن أعرابيًا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: (ويحَك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل) ؟ قال: نعم، قال: (فهل تؤدي صدقتها) ؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يترك من عملك شيئًا) [متفق عليه] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يُدخله الجنَّة، هاجر في سبيل الله، أو جلسَ في أرضه التي ولد فيها) [رواه البخاري] ، فتأمل كيف صرف وجوب الهجرة عمن يستطيع أن يُظهر دينه ويقوم بالواجبات الدينية المفروضة عليه في أرضه التي ولد فيها،