فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 293

قال ابن قدامة: (من تُستحب له الهجرة ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتُستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكانه إقامة واجب دينه بدون الهجرة، وروينا أن نعيم النحام حين أراد أن يُهاجر، جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(قومك كانوا خيرًا لك من قومي لي؛ قومي أخرجوني وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك) [المغني: 9: ص 237] .

3 -هجرة غير واجبة ولا مندوبة:

وذلك عندما يقع المسلم في الاستضعاف والعجز الذي يمنعه من الهجرة .. فهو - مع بذل جهده ورغبته في الهجرة - لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا وطريقًا للهجرة، فمن كان كذلك فالهجرة بحقه تسقط، فلا هي واجبة عليه ولا هي مستحبة؛ لأن العجز يرفع التكليف باتفاق، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] ، وقال تعالى: (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 233] ، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: 286] ، وقال تعالى: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: 152] ، فمن شروط التكليف المقدرة والاستطاعة فإذا انتفت الاستطاعة انتفى معها التكليف تباعًا إلى حين توفر وتحقق الاستطاعة، وقال تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 98، 99] ،

فاستثنى الله تعالى من وعيد من يتخلف عن الهجرة الواجبة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للنفاذ ولا يهتدون طريقًا وسبيلًا آمنًا وممكنًا، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين ممن عذر الله عز وجل،

قال ابن قدامة: (من لا هجرة عليه؛ وهو من يعجز عنها، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى:(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 98، 99] ، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها) [المغني: 9: ص 236] .

4 -هجرة محرمة:

وذلك عندما يترتب على الهجرة تفويت مصالح معتبرة لا يمكن تحقيقها من الهجرة أو في دار الهجرة؛ كأن يكون الإنسان في دار الكفر مأمون الفتنة، ويستطيع أن يظهر دينه، ويقوم بالواجبات الدينية .. وهو إضافة إلى ذلك له دور في الدعوة إلى الله تعالى، وفي تثبيت المسلمين - من المستضعفين وغيرهم - على دينهم والمحافظة عليه، وإنقاذ بعض النفوس من الهلاك، وغير ذلك من المصالح المعروفة التي لا يمكن أن يُحقق منها شيئًا في دار الهجرة، فحينئذٍ لا تجوز بحقه الهجرة، ولو فعل فهو آثم لتفويت المصالح وتقديم المفاسد!،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت