فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 293

لذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر النجاشي بالهجرة إلى المدينة وبترك دياره، رغم أن الحبشة كانت دار كفر، وما ذلك إلا لأن في إقامته في بلاده من المصالح الراجحة التي تفوق مصلحة الهجرة، حيث كان النجاشي رضي الله عنه له دور كبير في حماية ممن هاجر إليه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وعندما مات رحمه الله، ولم يصلّ عليه أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم) قالوا: من هو؟ قال: (النجاشي) [صحيح سنن ابن ماجه: 1248] ، وفي رواية عند مسلم: (إنَّ أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه) ، قال الشوكاني: (فإنها إن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو في تعليمه معالم الخير بحيث يكون ذلك راجحًا على هجرته وفراره بدينه فإنه يجب عليه ترك الهجرة رعاية لهذه المصلحة الراجحة، لأن هذه المصلحة الخاصة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة) [السيل الجرار: 4: ص 577] ، لعل هذه المصالح التي أشار إليها الشوكاني مما يدخل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [أخرجه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: 939] ، - والله تعالى أعلم -، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيآت أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة) [مجموع الفتاوي: 28: ص 129] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت