يختلف الحديث هنا بعض الشيء عما قلناه عن العمل الحزبي الجماعي في ظل دولة الإسلام لاختلاف واقع المسلمين في كل من الدولتين؛ ففي دولة الإسلام يكون الإسلام عزيزًا له الحكم والأمر، والمسلمون في دولتهم أعزاء لهم شوكتهم وإمامهم الذي يجتمع عليه شملهم، وتتوحد كلمتهم، ويتقون به، ويقاتلون من ورائه، والجماعة قائمة وموجودة من شذ عنها شذَّ في النار، ومن فارقها شبرًا واحدًا فمات، مات ميتة جاهلية، لأجل ذلك قلنا: لا مبرر لوجود الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية التي تلتزم بشريعة الإسلام - قولًا وعملًا - سوى شق عصا المسلمين، وتفريق كلمتهم في شيع وأحزاب ما أنزل الله بها من سلطان، أما في ظل دولة الطاغوت - وكل دولة لا تحكم بما أنزل الله، ولا تلتزم شرع الله بالقول والعمل فهي دولة طاغوت - فالإسلام محارب، والمسلمون مضطهدون في دينهم ومعاشهم، ومستضعفون في ديارهم يُسامون أشد أنواع العذاب والفتن لصدهم عن دينهم الحنيف، وليس لهم إمام يجمع كلمتهم ويوحد طاقاتهم، ويقاتل عنهم ودونهم الأعداء، ويقيم فيهم حكم الله، وهم من جهة مطالبون شرعًا بالإعداد والأخذ بجميع أسباب القوة قدر استطاعتهم، ومن ثَمَّ الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمته في الأرض، وإحقاق الحق والعدل، وإبطال الباطل والظلم، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله وحده، فهل يصح أن يُقال لهم - وهذا واقع حالهم - انطلقوا للجهاد، ولإعلاء كلمة الله في الأرض كلًا بمفرده وبحسب ما يهوى ويريد؟، وهل يقال لهم لا يجوز لكم أن تعدوا للجهاد عدته، وتعملوا لنصرة دينكم ورفع الظلم عن أنفسكم من خلال عمل جماعي منظم، يرشد الطاقات، ويرص الصفوف، ليوجهها بهدوء ودراية إلى الهدف المنشود؟!، وهل يقال لهم - وهم ليس لهم إمام تجتمع عليه كلمتهم - لا يجوز لكم أن تجتمع كلمتكم ويلتم شملكم على أمير مسلم عدل يقاتل دونكم ومن ورائكم، ويحفظ لكم دينكم ومحارمكم؟!، لا يقول بهذا القول ناصح محب، ولا يقول به إلا واحد من اثنين: مرجف مغفل تملكه الجبن والخوف، أو رجل غاش لا يريد للمسلمين أن تقوم لهم قائمة، وطواغيت الكفر الجاثمين على صدر الأمة ومقدراتها ماذا يريدون من المسلمين غير هذه الاتكالية والنزعة الفردية الانطوائية السلبية التي لا تتفاعل مع واقع الأمة، والحركة الفوضوية العشوائية التي لا يقرها ولا يرضاها نقل ولا عقل؟!، واعلم أنه لا شيء يخيف الطواغيت ويرهبهم من المسلمين مثل العمل الجماعي الهادف المنظم، لأنهم يعلمون أنه هو العمل الذي يمكن أن يثمر وينتج شيئًا، ومتى علم الطاغوت أن المسلم يتحرك لدينه بطريقة فردية أنانية استخف به، وهان في عينه، ورضي حاله مهما كان يتصف بالاستقامة والالتزام، وإن كان هذا المسلم على خلاف ذلك يعمل لدينه من خلال جماعة عامة منظمة يعلوها أمير مطاع، خافوه وهابوه، وحسبوا له ألف حساب!، لذا نراهم يهتمون في معرفة انتماء الفرد التنظيمي، ومع أي جماعة يعمل، أكثر مما يريدون معرفته عنه من حيث منهجه، وأفكاره، وعقيدته، فهذه أمور تأتي بالدرجة الثانية من حيث الأهمية والخطورة عليهم!، حق بلا سيف ولا ساعد يحميه، الكل يستهين به ... وبخاصة أننا نعيش في زمان تسوده شريعة الغاب، ومنطق الأقوى هو الأسلم والأحكم، وهو دائمًا على حق وصواب، ورأيه مسموع ومطاع!.
و العمل للإسلام من خلال جماعة منظمة عليها أمير مطاع ضرورة، هذه الضرورة تأتي من جهتين: جهة ما يمليه الواقع على المسلمين من وجوب الأخذ بأسباب القوة والمنعة والتمكين، وجهة ثانية وهي دلالة النصوص الشرعية: