فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 293

أما ما يمليه الواقع: فإن الجاهلية المعاصرة - المتمثلة بأنظمتها الكافرة الدولية منها والمحلية - تواجه المسلمين بكل أسباب القوة والمنعة؛ من تنظيم وتخطيط، وتكتل وإعداد، وعتاد وجيوش وغير ذلك. وبالمقابل فمن العبث والتواكل أن يواجه المسلمون هذه الجاهلية المنظمة القوية، والمسلحة بجميع أسباب القوة المادية، بأسباب الضعف والهزيمة؛ من عشوائية وحركة فردية فوضوية، وروح صوفية إتكالية!، فالتنظيم يقابله التنظيم لا الفوضة والعشوائية، والعمل الجماعي يقابله عمل جماعي مماثل، والقوة لا يفلها إلا القوة لا الضعف والتشرذم، والحديد لا يفله إلا الحديد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما من حيث دلالة النصوص الشرعية: فقد أمر الله تعالى المسلمين بالإعداد والأخذ بأسباب القوة ليرهبوا أعداءهم من الكفار، والمرتدين، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) [الأنفال: 60] ، وفي السنة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود، صحيح الجامع الصغير: 500] ، قال ابن تيمية: (فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا خرج ثلاثة في سفرٍ فليؤمروا أحدهم) [مجموع الفتاوى: 28: ص 390] ، وقال الشوكاني بعد أن ذكر أحاديث الإمارة في السفر: (فيها دليل على أنه يشرع لكل عددٍ بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليه أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى) [نيل الأوطار: 8: ص 256] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) ، وفي رواية: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) ، وفي رواية: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) ، وفي رواية: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) [روى جميع هذه الروايات مسلم في صحيحه] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (الجماعة رحمة، والفرقة عذاب) [السلسلة الصحيحة: 667] ، وغيرها كثير من النصوص التي تلزم بالجماعة والاجتماع، وتنهى عن التفرق والفردية، والاختلاف.

ونحن إذ نقول بشرعية العمل الجماعي المنظم - في حال غياب الدولة الإسلامية وعدم وجود خليفة للمسلمين - فإننا لا نقول به على إطلاقه من دون قيد أو شرط، وإنما نقيده بقيود شرعية، ونشترط له شروطًا، أهمها:

1 -وجود الضرورة الملزمة لذلك؛ وتكمن - كما بيناها - في حال غياب الدولة الإسلامية، وعدم وجود سلطان مسلم (خليفة) تجتمع عليه كلمة المسلمين، ويرعى قضاياهم الدينية والدنيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت