أما إن كان خطؤها محتملًا وفي الفروع أو في السلوك لبعض أفرادها، فإن ذلك لا يبرر الانقسام عليها وتشكيل جماعة أخرى من جديد، لأن مثل هذا النوع من الأخطاء وارد وممكن الوقوع حتى في عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان الذين جاءوا من بعدهم، فضلًا عن زماننا الذي ابتعد عن عهد النبوة أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
وثانيًا لأن فرقة المسلمين وانقسام كلمتهم في جماعات متغايرة متباغضة متفرقة أشد خطرًا وضررًا على المسلمين من البقاء في حزب أو جماعة فيها بعض الأخطاء الفرعية أو السلوكية التي يمكن إزالتها أو معالجتها بشيء من النصح والحكمة.
وثالثًا، لأن هذه الجماعة أو المجموعة التي ستنشق لن تسلم مما وقعت به الجماعة الأم الأولى من الوقوع في بعض الأخطاء، وبالتالي فإن سلسلة الانقسامات وإحداث التجمعات والتحزبات المقيتة ستستمر ولن تتوقف، كما هو حال كثير من التكتلات والتجمعات المعاصرة.
لذلك نجد أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رغم خلافه مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وإنكاره عليه إتمامه للصلاة في مِنى أربعًا وهو بخلاف السنة، فإنه لم يُحدث جماعة ثانية للصلاة، وصلى خلف عثمان أربعًا، فقالوا له: تعيب على عثمان ثم تصلي خلفه أربعًا؟! فقال: الخلاف شر، وخلاصة القول: عند الإقبال على عمل من هذا القبيل، وهو إحداث جماعة جديدة تعمل للإسلام، لا بد من ترجيح - من منظور شرعي بعيد عن العصبية والهوى - أيهما أشد ضررًا أو أكثر نفعًا، وأيهما ترجح فيه المصلحة فيقدمه، وأيهما ترجح فيه المفسدة والمضرة فيدفعه ويرده.
6 -أن تعيش الجماعة - قدر المستطاع - اهتمامات الأمة، فتهتم بأمور جميع المسلمين الخاصة منها والعامة، وبمصلحتهم وكيف تحقق لهم النفع والفائدة، من دون تمييز أو تفريق بين أحد من المسلمين، فالمسلمون جميعًا أخوة في الدين، متساوون في الحقوق، تتساوى ذممهم - على اختلاف مراتبهم ومكانته - لا تفاضل فيما بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: 10] ، وقال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13] ، وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمنون من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لما يصيب أهل الإيمان كما يألم الرأس لما يصيب الجسد) [أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1137] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله) [رواه مسلم] .
فلا يجوز للمسلم - وهو يستطيع أن يدفع الظلم عن أخيه المسلم - أن يُسلم أخاه إلى الظلم والقهر، والفقر والجوع بدعوى أنه مسلم من الدرجة الثانية أو الثالثة لكونه لا ينتمي إلى حزبه أو فئته وجماعته!، والذي دعانا للإشارة إلى هذا الأمر أن كثيرًا من الأحزاب المعاصرة المسماة بالإسلامية لا تهتم إلا بأفرادها أو فيمن يعطيها الولاء، أو فيمن يطمعون أنه سيكون منهم يومًا من الأيام، وما سواهم من المسلمين فلهم الموت والهلاك والفقر وكل أنواع الإهمال وإن كانوا على أتقى وأصلح قلب رجل من المسلمين، فإن أمرهم لا يعنيهم في شيء ما داموا لا ينتمون إلى حزبهم أو جماعتهم، أو لا يعطون الولاء المطلق لأمير وشيخ الحزب أو الجماعة!، وحزب أو جماعة تُعرف بهذه الأنانية والعصبية، وبانعدام الشعور بالمسؤولية تجاه جمهور المسلمين، لا شك أن عدمها أفضل من وجودها، وأنه لا يجوز تكثير سوادها في شيء.