المسألة الثامنة: متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر؟
يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبرًا في الحالات التالية:
-أن يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله أحقيّة حُكمِ الله ورسوله أو يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أنّ ذلك هو جحودُ ما أنزل اللهُ من الحُكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإنّ الأصول المتقررة المتّفق عليها بينهم أنّ مَنْ جَحَدَ أصلًا من أصول الدين أو فرعًا مُجمعًا عليه، أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، قطعيًّا، فإنّه كافرًا الكفرَ الناقل عن الملّة.
-أنْ لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونَ حُكم اللهِ ورسولِهِ حقًّا. لكن اعتقد أنّ حُكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسنُ من حُكمه، وأتمّ وأشمل، لما يحتاجه الناسُ من الحُكم بينهم عند التنازع، إمّا مُطلقا أو بالنسبة إلى ما استجدّ من الحوادث، التي نشأت عن تطوّر الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضًا لا ريب أنه كافرٌ، لتفضيله أحكامَ المخلوقين التي هي محضُ زبالةِ الأذهان، وصرْفُ حُثالة الأفكار، على حُكم الحكيم الحميد.
-أنْ لا يعتقد كونَه أحسن من حُكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين الذين قبله، في كونه كافرًا الكفرَ الناقل عن الملّة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله عزّ وجلّ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) [الشورى: 11] ونحوها من الآيات الكريمة، الدالّة على تفرُّدِ الربّ بالكمال، وتنزيهه عن ممثالة المخلوقين، في الذات والصفات والأفعال والحُكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
-أنْ لا يعتقد كون حُكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله، فضلًا عن أنْ يعتقدَ كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحُكم بما يخالف حُكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدُقُ عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جوازَ ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
-ما يحكُم به كثيرٌ من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمُّونها"سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحُضُّون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاءًا على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبةً عن حُكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.
-الحاكم الذي يعرض عن الحكم بما أنزل الله فلا يحكم بما أنزل الله مطلقًا ولا في أي مجال من مجالات الحياة فهذا لا شك في كفره وخروجه من الملة، وإن كان غير مستحلٍّ للحكم بغير ما أنزل الله ـ وإن زعم بلسانه أنه من المؤمنين ـ لانتفاء مطلق المتابعة عنه للشريعة، وهذا من أبرز علامات النفاق والكفر والمروق؛ إذ أن الإيمان وإخلاص المحبة لله تعالى من أبرز علاماته الدالة عليه حصول المتابعة الظاهرة والباطنة للشريعة وأحكامها، والانقياد لها من غير تحرج أو أدنى اعتراض، كما قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران:31] ، وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجًا في أنفسهم مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [النساء: 65] .
-الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله في التوحيد!، كأن يحكم بالشرك، وبما يضاد التوحيد، فهو كافر على أي وجه كان حكمه، سواء كان مستحلًا لذلك أم أنه غير مستحل، وسواء حمله على ذلك الجحود أم الهوى وحب الحياة الدنيا وزينتها، فلا فرق.