فهرس الكتاب
ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين، وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم.].
قوله: (ويسر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى) . من أعظم النعم أن يهيأ الإنسان لليسرى, ومن التهيئة في ذلك أمور قدرية يهيئها الله عز وجل للإنسان من غير اختيار, منها: أن يولد الإنسان من أبوين مسلمين, وأن يوجد أيضًا في بيئة مسلمة, فهذا من الأمور القدرية التي لا اختيار للإنسان فيها, فهذا من نعمة الله عز وجل على عباده، وقد يفوق الإنسان ذلك غيره ممن لم يهيأ له ذلك قدرًا، كأن يؤمن الإنسان في بلد ليس فيها مسلمون, أو يسلم الإنسان وهو من أبوين ليسا بمسلمين, ولهذا نقول: إن فضل الله عز وجل على عباده يتنوع، وربما يريد الله عز وجل بالإنسان خيرًا وهو من أبوين ليسا من أهل الإسلام, وذلك أنه يريد بذلك أن يعظم أجر ذلك المتعبد له؛ لأنه ولد في بيئة ليست إسلامية ثم آمن فذلك أشد مشقة عليه مما لو ولد في بيئة إسلامية ثم بقي على الإسلام، فكل له وجه من أمور التوفيق والهداية, يريد الله عز وجل بأقوام خيرًا, وهو سبحانه وتعالى لا يريد بعباده إلا ذلك.
وكذلك أيضًا من أراد الله عز وجل له الهداية شرح صدره للإيمان، وشرح صدره للإسلام بأن يقبل الحق, ومن لم يرد الله عز وجل به خيرًا سلبه ذلك, بأن يجعله لا يقبل الإسلام ويضيق عند سماعه وينصرف عنه, فيختم الله عز وجل على سمعه وبصره ويجعل على قلبه غشاوة.
قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين, وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين) .
قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين) ، يعني: مخلصين بما نطقوا, وقد ذكر هنا الثلاثة الأمور المذكورة في تعريف الإيمان, وهي: نطق باللسان, وعمل القلب وهو: الجنان, وكذلك أيضًا عمل الجوارح, ولهذا نقول: إن الإيمان قول وعمل, ويأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله.
قال المصنف رحمه الله: (وتعلموا ما علمهم, ووقفوا عند ما حد لهم, واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم) .
يقول: وتعلموا ما علمهم، يعني: أخذوا ذلك العلم استرشادًا واستضاءة, وذلك لفضل العلم ومنزلته, والله سبحانه وتعالى جعل أشرف العلم لشرف المعلوم, وأشرف معلوم هو العلم بالله سبحانه وتعالى، فكان علم الوحي هو أعظم العلوم على الإطلاق، وهو الذي أمر الله جل وعلا نبيه أن يسأله زيادة فيه فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] ، وقد رفع الله عز وجل أهل الإيمان كما في قوله جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ